حكايات سعيد صغير – صادق في المدينة

آخر تحديث : الأربعاء 26 أكتوبر 2011 - 11:05 مساءً
2011 10 25
2011 10 26

متاهات في غابة النفوس – عمود أسبوعي على زايو سيتي

قلم – سعيد صغير – بألمانيا

الحكاية الثامنة  – صادق في المدينة

أصيب صادق بمرض طفيف في معدته. اضطر معه الى مغادرة الدوار في اتجاه المدينة الكبيرة. زيارة الطبيب فرصة ذهبية للخروج من الدوار لاكتشاف أشياء و حوافز جديدة. عالم جديد وغريب في انتظار صادق، الذي لم يغادر مسقط رأسه بعد.’’ صادق إِخَصْ أَثِزَرْ وَضْبيبْ أَذِخَمْ مَيَنْجَراسْ’’=’’ يجب عرض صادق على الطبيب قصد كشف ما يعاني  منه’’ تقول الأم مخاطبة الأب بنبرة حادة توحي بجدية الموقف. وافق الأب على الذهاب غداً مع صادق لزيارة الطبيب،قررا أن يستيقظا مبكراً، بعدما اتفق مع صاحب السيارة التي سيسافرون على متنها في اتجاه المدينة البعيدة. أرهق أباه بكثرة الأسئلة و الاستفسارات. ليلة ليست كباقي الليالي، نسي فيها صادق المرض و الألم، كأن هذا القرار من عند أمه الحنونة، نزل كرحمة إلهية من السماء، شُفيَ بها صادق بمعجزة. انشغل طول الليل في تخيل الطريق الطويلة التي سيقطعها على متن السيارة المريحة، حاول أن يؤسس صورة للمدينة في مخيلته الصغيرة، مستعينا بخرافات جدته العزيزة.

في الصباح استيقظ صادق بعد ليلة فيها من السهر أكثر من الراحة و النوم. ألم معدته اندثر مع شدة الفرح و الانفعال والترقب و الفضول. ود لو استطاع إشعار  أمه بعافيته، ليريحها من تخوفها على صحته. لم يفعل خوفا من إلغاء هذه الرحلة الكبرى في اتجاه العالم المجهول. حضّرت الأم وجبة الفطور التي لم يتناول منها إلا قليلا ليوهمهم ببقاء المرض المزعوم. انطلق رفقة أبيه في اتجاه الطريق التي تمر بها السيارة. مرّوا بجانب الكتّاب فتظاهر صادق بحسرة لعدم تمكنه اليوم من زيارة الكتّاب. برر ذلك بأسفه على عدم محو لوحه اليوم، ما يجعل منافسيه يسبقونه في الحفظ. اضطر الأب لمواساة ابنه: ’’قَثْهَلْشَذْ أَمٍّي لَذِوْذانْ إِمَقْرانَنْ أورْخَدْمَنْ لَخْمي هَلْشَنْ’’=’’ في حالة المرض ليس هناك حرج من عدم الذهاب الى الكتاب. الكبار بدورهم لا يخرجون الى العمل في حالة المرض.’’. تجلت السيارة الصغيرة من بعيد ’’هركات’’ يسمونها ويقصدون رونو أربعة، انتظر صادق وصولها بفارغ الصبر. ركبها رفقة أبيه لتنطلق ثانية في طريق غير معبّد تاركة غمامة من الغبار خلفها, الحفر الكثيرة والأحجار المنتشرة في الطريق تزيد في متعة الركوب لدى صادق. تميل السيارة يميناً وشمالاً كأنها أرجوحة. الجلوس على كرسي ’’الهركات’’ الوثيرراق لصادق: لعن الأحجار و الحصيرة التي ألف الجلوس عليها. تمنى لو كان هذا السفر بلا نهاية، أرسل بنظره الى الخارج ليرى الأشجار و البنايات كلها تسير الى الخلف بسرعة عجيبة، دخلت ’’الهركات’’ الطريق المعبدة، ما أجمل أن تحس بالسيارة تسير في ارتياح و بسرعة فائقة، بعد معاناة طويلة في الطريق البرية. شعور لم يحس به صادق قبل اليوم. ازدادت المتعة، الأشياء التي تجري الى الخلف زادت سرعة. سيارات عديدة تسير في الإتجاه المعاكس، و أخرى تمر في سرعة البرق متجاوزة ’’الهركات’’. الكبار ارتاحوا بدورهم عند دخول الطريق المعبدة. قال أحدهم: ’’ اَبْرِذو ذالرَّحْمَثْ أَيامْرابَظْ’’’’ هذه الطريق رحمة من الله’’ زاد آخر : ’’لَذْهِرْكاتو ذالرَّحْمَثْ أَرَبّي’’=’’ حتى ’’الهركات’’ رحمة ربانية’’

وصلت السيارة الى المدينة الكبيرة، نسي صادق محيطه داخل ’’الهركات’’. انبهر برؤية هذا الكم الهائل من البنايات. كثرت المناظر والحوافز و الناس على عقل صادق الصغير. ينظر يمينا وشمالا، ينظر الى الخلف و الأمام بعيون مستديرة و متعطشة، يخشى أن يفوته شيء لا يراه. أصوات وضجيج لم يألفهما في الدوار. ترجل صادق رفقة أبيه تاركا المركبة تسيرفي اتجاه مجهول. استاء لهذا الفراق ليظهر الارتباك والتساؤل على محياه. طمأنه أبوه أنهم سيلتقون ’’بالهركات’’ لاحقا، لركوبها ثانية وقت العودة الى الدوار، ودعها صادق في سره متمنيا لها وقتا سعيدا في المدينة.  تتبع صادق بعيونه المستديرة و بتعجب بالغ حركات  متشرد في الشارع. عليه ثياب رثة بشعر طويل أشعث ولحية متسخة تكسو معظم وجهه. عينان حمراوان بارزتان كأنه أكل طن من البصل . يصيح مزمجراً وفي يده سكين كبير يهدد به المارة ويزرع الخوف والرعب في نفوسهم. شعر صادق بخوف شديد ينتابه، ليجد  نفسه ملتصقاً بساق أبيه و متشبثاً بتلابيب سرواله.

على جانب الشارع تراءت لصادق حديقة صغيرة فيها مجموعة من الورود و الأزهار. انبهر وهو فاتح فاه لجمال ورونق زنبق مختلف ألوانه. تعرف على الخزامى المغروسة بنظام وإحكام، لم يعهده في البادية التي تزخر بكل ألوان الطيف في فصل الربيع. قرأ الأب تساؤلاً في عيون صادق. لكنه اكتفى بتنبيهه أن هذه الورود والأزهارتنتمي الى حضارة النصارى الغريبة عليهم. ’’وَنّي ذَنوَارْ إرومَيَّنْ أَمّي’’=’’هذه أزهار النصارى يا ولدي’’ يقول الأب.

(يتبع)

saghir@web.de

الأولي – شديد العقاب

http://www.zaiocity.net/?p=17949

الثانية – جمال فاطمة

http://www.zaiocity.net/?p=18807

الثالثة  – الحمار السعيد

http://www.zaiocity.net/?p=19457

الرابعة – مأتم الذكريات

http://www.zaiocity.net/?p=20095

الخامسة – قلعة المظالم

http://www.zaiocity.net/?p=20682

الحكاية السادسة – الساعة الشمسية

http://www.zaiocity.net/?p=21283

الحكاية السابعة – الساعة الشمسية – الجزء الثاني

http://www.zaiocity.net/?p=21814

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات8 تعليقات

  • choukra said-ala-hadihi-alkisa-aljamila-ama-asayara.mina.anawe…irkat-li-kanat-andak

  • ahya said awma ino i3izzan ma3lak olidcha attalimant anni thawassarth ichi salkan slafdhihath ayli ka3adh thlakdhadh aghlal dhi sidi mimoun azzathi firma oliman.omalla thofith cha nwaghlal.thilla dhi tharwa annach adh lachwaghadh annach yallan nassah ma thihoja dhobandar sannidham irasdhan dhalmalik aghyol.ka ochinaffa3 ladhijjan assisan.chak nasnich ijjan omazigh dhahorri odhasbhan swattas.ahdayach sonafak dhikharrikan khtharwa ammiddan onnassin walo.o3awadh ortatto thazroth iballiwan kamalla thlakfich lafhameth ka mazal addawlad 3ad atzaghladh thfocht ghar thazroth iballiwan.atowthath alkif ak hobban.almohim throh thosad ortnifik thakkared almalek yasbah,kawa dhazzor.nachin nasnith irabbo oymahhadh kho 3addis.

  • اخي سعيد لقد استمتعت فعلا بقرائة الرحلة …أسلوب سهل جميل …خيال واسع ممتع…… شكرا لك على هدا الأفق الرحب ودمت مبدعا معطائا
    .

  • assalam si said
    wach nta said khou lbakay sgher machatro

  • استعمال الخيال ودقة الوصف ، اساليب الاستفهام عند صادق ، اعتقد ان نوع الكتابة تدخل في إطار السرد القصصي الذي يعتمد اساسا على التشويق في الاحداث ثم التعبير عن الحدث بشكل يجعل القارء يرتبط بالمكتوب ، اعتقد انك قادر على ايصال الفكرة ما دمت تتمكن من لغة عربية سليمة بحيث تعتمد على الالفاظ البسيطة والمتداولة ، وقد تخمرت لديك فكرة مسار صالح داخل الدوار وخارجه وربما رجلا يشغل اليوم مكانة مهمة داخل المجتمع ، شخصيا ارتاح لمثل هاته الكتابت لانها تظهر في العمق شخصية الكاتب اكثر من شخصي بطل القصة

  • assalam
    ben jij said de broeder van el bakay

  • 9issa mochwi9a bghit na3raf al tatimma