الأستاذ الذي عثر عليه في ضيعة قيادي الأحرار بتارودانت قال إنه كان يعالج جروحه بمسحوق الغسيل ويزيل القمل بالطين المبلل

آخر تحديث : الخميس 20 أكتوبر 2011 - 2:32 مساءً
2011 10 19
2011 10 20

محفوظ آيت صالح

باستثناء حالته الصحية الحرجة، التي أثرت عليها سنوات الاحتجاز وكذا السن المتقدمة، يبدو عبد الله أوناصر متذكرا لأهم الأحداث التي مرت معه خلال سنوات الاحتجاز تلك. كان يروي بوضوح

ما ترسخ بالذاكرة كأنه حدث للتو، إلا أنه كان يتوقف للحظات لأنه لم يكن يقوى على الاسترسال طويلا في الحديث. خلال اللقاء، الذي أجرته معه جريدة «المساء» في بيته الكائن بأحد الأحياء الشعبية في أولاد تايمة، 44 كيلومترا شرق مدينة أكادير، حاولنا تتبع أهم اللحظات التي قضاها رهن الاحتجاز من أجل فهم هذه القضية التي أضحت لغزا محيرا يستأثر باهتمام كل المتتبعين، حيث نسجت منه أحاديث المقاهي والمنتديات قصصا من ألف حكاية وحكاية. في هذا اللقاء، نعرض للقضية كما جاءت على لسان الأستاذ الذي قضى خمس سنوات رهن الاحتجاز، على أن نسعى إلى الحصول على تفاصيل أوفى عن هذا الملف من زوايا أخرى في ما يستقبل من أيام.
استدراج واختطاف
يحكي أوناصر أنه، في أحد أيام شهر يناير من سنة 2007 وعند اقترابه من بيته الذي كان راجعا إليه من عيادة أحد الأطباء حيث يتلقى العلاج، وجد سيارة من نوع «بيكوب» مزدوجة المقاعد، إضافة إلى سيارة أخرى رباعية الدفع كان على متنها المتهم الرئيسي في هذه القضية، وترجل منها شخصان وقدما نفسيهما على أنهما من رجال الشرطة القضائية وادعيا أنهما يريدان الاستماع إليه بشأن شكاية من الشكايات التي اعتاد أن يتلقاها بسبب النزاع المزمن حول الأرض، حيث كان السماسرة يرهقون الضحايا بكثرة الشكايات إلى أن يستسلموا.. لم يرْتب أوناصر في أمرهما لأنهما كانا على قدر من اللطافة وكانت عليهما سمات رجال الأمن. وبعد أن توسطهما في المقعد الخلفي، انطلقت بهم السيارة في اتجاه تارودانت. بعد مرور وقت وجيز وأثناء الطريق، نزل الشخصان وصعد شخصان آخران، وبعدها تغير كل شيء، حيث بدأ الضرب والسب، وقام الشخصان بوضعه تحت أقدامهما، وهناك انطلقت السيارة نحو إغرم في اتجاه مدينة طاطا. بعد ذلك، عادت السيارة إلى مدينة أكادير في ليلة نفس اليوم.. قال عبد الله أوناصر إنه تلقى كل أشكال الضرب والإهانة طيلة هذه الرحلة الشاقة، وعندما طلب شربة ماء قام أحدهم وسكب الماء على رأسه دون أن يمكنه من شربه. وعن هويات الأشخاص الذين قاموا باختطافه وتعذيبه، قال أوناصر إنه قدم إلى مصالح الدرك صورا تقريبية لهم من خلال ما علق بذاكرته من ملامحهم وصفاتهم.
التعذيب في أكادير

يذكر عبد الله أوناصر أنه نقل، مساء اليوم الأول من اختطافه، إلى منزل في مدينة أكادير حيث قضى بضعة أيام، ليتم نقله بعد ذلك إلى منزل آخر على بعد حوالي عشرين دقيقة ركوبا على السيارة، مما يعني أنه لم يغادر المدار الحضري لمدينة أكادير. وهناك تلقى أبشع أنواع الإهانة والتعذيب، فقد ترك فريسة للأمراض والقمل، وتعفنت إحدى قدميه فكان القيح يسيل منهما، كما أن التهابات جلدية أصابته وكانت أذناه تسيلان بسبب تعفنات، واضطر في إحدى المرات إلى استعمال مسحوق الغسيل «تيد» لعلاج تلك الجروح، كما كان يستعمل الطين المبلل لإزالة القمل من شعر رأسه. وقد تنقل عبد الله أوناصر بين العديد من الأماكن، تم حاليا اكتشاف مكانين منها، الأول هو الضيعة التي عثر عليه فيها، والثاني بئر قديمة بضيعة مهجورة في ملكية أحد أقارب الشخص الثاني الذي يعتبر من شركاء المتهم الرئيسي في هذه القضية. وكان الأشخاص الذين تناوبوا على تعذيبه يقدرون بحوالي 15 شخصا، من بينهم الشخص الذي سبق ذكره والذي يتولى اقتناء الأراضي لفائدة المتهم الرئيسي بموجب وكالة عدلية.

محاولة فرار  فاشلة

عندما تيقن عبد الله أوناصر من أن المقام ربما سيطول به قيد الاحتجاز، بدأ يحاول إعادة بعض التوازن إلى نفسه من أجل مواجهة الأمر الواقع بعد أزيد من ستة أشهر من الجزع والرعب لم يكن يعرف خلالها شيئا اسمه النوم. وألقى هذا الواقع بظلاله على نفسه إلى درجة أنه اعتاد أن يرى في منامه خلال سنوات احتجازه أن أحدهم يحمل حجرا كبيرا ويهم بشج رأسه للتخلص منه؛ وظل كذلك، لا يعرف للنوم طعما، إلى أن وصل إلى المستشفى. حاول أوناصر أن يقطع حلقة من حلقات السلسلة التي كان مقيدا بها، وكان يعمل على حزِّها بأي جسم يمكنه أن يحدث بها أثرا، وكان يخفي هذه الحلقة عن أنظار محتجزيه، كما كان يخفي أثر حزِّها حتى لا يكتشف أمره، أملا في أن يتمكن ذات يوم من الفرار، ولكن «الزبانية» القائمين على احتجازه تفطنوا إليه وقاموا بتغيير السلسلة بعد أن نال حصة من التعذيب والتنكيل، وتطور الأمر إلى محاولة لقطع قدمه بمنشار خشبي لا تزال قدمه تحمل أثره.
يحكي عبد الله أوصالح أن وزنه قبل الاحتجاز كان يصل إلى 82 كيلوغراما بينما يصل الآن بالكاد إلى ستين كيلوغراما، أما في الثلاث سنوات الأولى فقد كان أقرب ما يكون إلى هيكل عظمي، حيث كانت فترات الحصول على الطعام متباعدة بل إنه كان يحصل في بعض المرات على طعام بينما كان يظل محروما منه أحيانا كثيرة، وحتى يخفف من لدغة الجوع في لحظات الحرمان الطويلة كان يلجأ إلى ادخار بعض كسرات الخبز لتناولها والاستعانة بها على المقاومة والبقاء قيد الحياة.

أوناصر  في السينغال

عندما تلقت أسرة أوناصر أول رسالة بوجود ابنها رهن الاحتجاز، لم تعرها اهتماما كبيرا، واعتبرت الأمر مجرد إشاعة من آلاف الإشاعات التي سبق لها أن سمعتها، حيث كان هناك من أخبرها بأن عبد الله أوناصر انتقل إلى مصر، ومن قال لها إنه شوهد في فرنسا، ومن قال إنه تزوج وأصبح له طفلان من زوجة أخرى،.. وهكذا توالت على أفراد الأسرة الأخبار، ولحرصهم على تتبع أي بصيص ضوء يمكن أن يوصل إليه فقد كانوا ينتقلون إلى أي مكان يخبرون بأن ابنهم يوجد به، لكن كل تلك الأخبار كانت مجرد شائعات عارية من الصحة، فقد وصلت حد الادعاء بأن أوناصر يوجد في السينغال وموريتانيا.

بداية البحث
انتبهت الأسرة إلى أن هذه الرسالة قد تكون بداية الوصول إلى عبد أوناصر، فتم تقديم شكاية في الموضوع إلى وكيل الملك في تارودانت وكذا إلى الدرك الملكي، لكن الصعوبة كانت تكمن في غياب خيط يوصل إليه. وبعد عشرة أيام على ظهور الرسالة الأولى، وصلت رسالة «SMS» تخبرها بأن ابنها يوجد في إحدى ضيعات المتهم الرئيسي الحسين بالرحيم.
وبعد التحريات التي قام بها رجال الدرك، لاحظوا أن المتهم الرئيسي يملك ثلاث ضيعات، واحدة منها لا يوجد بها العمال بشكل دائم، ويوجد بها فقط حارس وزوجته، وتقع في منطقة معزولة على خلاف الضيعتين المتبقيتين اللتين تعرفان رواجا ووجودا دائما لأعداد كبيرة من العمال، فركزوا أعمال البحث والمعاينة في هذه الضيعة.
الطريق إلى الضيعة «المعتقل»
كانت الطريق المؤدية إلى هذه الضيعة المذكورة تمر عبرها شاحنات، إلا أن صاحبها عمد إلى تضييقها بحيث لا تسمح بمرور سوى أشخاص راجلين، إلى درجة أن الأشواك الموجودة على جنبات الطريق كانت تحتك بأكتاف المارين عبرها، وكان مجرد قطع مسافة عشرة أمتار في اتجاه مدخلها يشعر الزائر بالوحشة، فكيف إذا علم هذا الزائر بأن طول تلك الطريق يصل إلى حوالي كيلومتر ونصف.
في آخر هذه الطريق يوجد منزل من طابق أرضي، عندما يفتح يجد الزائر أمامه بابا حديديا على اليمين يؤدي إلى فتحة قبو أرضي، وهذا القبو يـُنزِل إليه أكثرُ من ثلاثين درجا، وعلى يمين هذا القبو في الأسفل يوجد قبو آخر أشبه بالقبر بجدران إسمنتية سوداء، كان ذلك هو المكان الذي عثر فيه على أوناصر والذي يصعب على النازل إليه أن يرمق بناظريه أي بشر داخله بسبب ظلامه الدامس وعزلته ووحشته.
فرق إنقاذ وهمية
عندما دخل أفراد الدرك الملكي إلى القبو من أجل انتشال عبد الله أوناصر، أخذوا ينادون عليه باسمه من أجل التأكد من وجوده، وتردد عبد الله في الجواب كثيرا لأنه كان يخشى أن يكون الأمر مجرد خدعة من الأشخاص الذين احتجزوه، حيث كانوا ينزلون إلى القبو وينادون عليه ويوهمونه بأنهم جاؤوا لإنقاذه، وبعد أن يجيبهم بأنه هناك يشبعونه ضربا وتنكيلا قبل أن يغادروا المكان. لم يتجرأ عبد الله على الاستجابة لنداءات الدرك، إلا أنه تجرأ وأزاح السطل الذي كان يضعه على رأسه؛ وبعد أن رمقت عيناه، تحت ضوء المصباح اليدوي، السلاح في يد أحد الدركيين تيقن فعلا بأن الأمر يتعلق بفرقة إنقاذ حقيقية، ولحظتها فقط بدأ يصرخ ليكتشف رجال الدرك مكانه، إضافة إلى المحتجزين الذين كانوا يفرضون عليه أن يغطي رأسه وأن يتوجه نحو الحائط كلما جاء أحدهم لتقديم الطعام إليه.
كما أنه كان من المحتمل أن يتجول رجال الدرك في المكان دون أن يكتشفوا الغرفة الجانبية الموجودة أسفل الدرج ويعودوا أدراجهم دون العثور عليه، لكن الألطاف الإلهية -يقول عبد الله أوناصر- قضت بأن يكون الفرج في تلك الساعة. كان رجال الدرك بالنسبة إلى عبد الله أوناصر ملائكة بعث بها الله لإنقاذه من جحيم هذا المحجز في حوالي الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الثلاثاء 11 أكتوبر من سنة 2011.
شقيقة قاض
يحكي عبد الله أوناصر أن زوجة حارس هذه الضيعة الموحشة لن تكون إلا شقيقة قاض كان يرأس جلسات صدرت بها أحكام كلها ضد أوناصر وعائلته في قضايا الصراع حول الأرض التي كان عدد من أصحاب النفوذ والسماسرة يريدون الاستيلاء عليها، وطالب أوناصر بضرورة التحقيق في الأخبار المتداولة والتي تقول إن المالك الحقيقي للضيعة هو القاضي المذكور، وأفاد أوناصر بأن شقيقه تلقى تهديدا من طرف القاضي المذكور أثناء وجوده رفقة ابنه لدى الدرك الملكي في تارودانت، بدعوى أنهم شوهوا سمعته وسمعة شقيقته. كان أوناصر يسمع أبناء الحارس يركضون في الأعلى، وكانت تصله ضحكاتهم، مما زاد الألم في نفسه بشكل أعمق..

عصابة إجرامية
التهمة الموجهة إلى المتهم الرئيسي هي تكوين عصابة إجرامية، وقد تم إلقاء القبض على الذراع الأيمن للمتهم الرئيسي في القضية والذي كان يتولى، بموجب وكالة عدلية، شراء أراضي لفائدة المتهم الرئيسي الحسين بوالرحيم، عن طريق النصب على أصحاب الأرض، حيث كان يتم تقديم عربون على صاحب الأرض ويـُطلب منه التوقيع على وثائق البيع ليتم هضم حقوقه بعد توقيعه على وثائق تثبت أنه تسلم المبلغ كاملا، وخلف ذلك العديد من الضحايا، وعندما يحتج أحدهم يشهد السماسرة على أنه تسلم المبلغ كاملا، فمن الضحايا من مات كمدا ومنهم من تم طرده من طرف عائلته ومنهم من فقد توازنه النفسي. وفي هذا السياق، يقول أوناصر إن المتهم نهب أراضي تابعة للجموع، مطالبا بفتح تحقيق في الموضوع. وقال أوناصر إن الذراع الأيمن للحسين بوالرحيم، المعتقل حاليا، كان يستغل موقعه كنائب من نواب الجموع لتسليم الشواهد لمن أراد وكان ينتزع الأراضي من ذويها.
مسار  التحقيق
يرى عبد الله أوناصر، من خلال ما رآه وما أحس به، أن أشياء كثيرة تغيرت بعد أن كان الاعتقال بشكل تعسفي وبشهود زور، ويعتبر أن مسار التحقيق في هذه النازلة يسير بشكل سليم اليوم، خاصة بعد أن مرت عليهم مجموعة من القضايا التي اتهموا فيها زورا، كتلك التي تتعلق بالمتهم الرئيسي، حيث يقول أوناصر إن هذا الأخير قام، بحكم أنه يملك وكالة للتأمين، بسحب شهادة طبية من ملف أحد زبناء هذه الوكالة تعرض لحادث سير وتم وضع شكاية ضد شقيق أوناصر رفقة هذه الشهادة الطبية على أساس أن ذلك الشخص تعرض للاعتداء من طرف شقيق أوناصر، ليتم اعتقال هذا الأخير والحكم عليه بثلاثة أشهر حبسا؛ وفي المرحلة الاستئنافية، حضر المعني، صاحب الشهادة الطبية، وصاح أمام القاضي بأنه لم يسبق له أن تعرض لأي اعتداء من طرف المتهم، وبأن الشهادة الطبية التي تم الاستناد إليها في هذا الملف تعود إلى حادث سير سبق أن تعرض له.
وذكر عبد الله أوناصر أنه انتبه إلى كون الملف ملفقا عندما لاحظ أن الشهادة الطبية تمت الإشارة فيها إلى أن طبيعة الملف مشار إليها بالحروف اللاتينية»A.V.P» ، والتي تعني حادثة سير في الشارع العمومية، بعد استفساره لبعض المتخصصين في الأمر، ليتبين أن الملف مفبرك ضد شقيقه للإيقاع به. وبعد كشف هذا الملف، ارتفعت درجة العداوة ضده ليأتي بعد ذلك مسلسل الاعتقال ضد أشقائه، الواحد تلو الآخر بغرض التخلص منهم للمرور إلى مرحلة الاستيلاء على الأرض.

كفاح زوجة

من الأخبار السعيدة التي تلقاها عبد الله أوناصر بعد نجاته من الاحتجاز تلك المتعلقة بالنتائج الجيدة التي حصل عليها أبناؤه بفضل ما اعتبره كفاح زوجته من أجل الحفاظ على الأسرة، وكان محتجزوه, رغبة في تحطيم معنوياته وإيصاله إلى حدود اليأس, قد أبلغوه بأن زوجته طلقت وأبناءه تفرقوا؛ لكن عندما خرج ووجد أن زوجته حافظت على أبنائه وسهرت على أن يبقى الشمل مجموعا رغم طول سنوات غيابه، أثلج ذلك صدره وجعله عاملا مساعدا على استعادته لعافيته النفسية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.