هكذا تكلم أوباما.. وسوف نتحدّاه

آخر تحديث : الأحد 22 مايو 2011 - 5:08 مساءً
2011 05 22
2011 05 22

 

قلم – رائد الدبس

قبل أن يخرج علينا الرئيس الأمريكي باراك أوباما بخطابه التاريخي الثاني الموجه للعالم الإسلامي، لم نكن نحتاج لجهد كبير كي نعرف أنه سيقول كلاماً جميلاً وداعماً للثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، معرجاً قليلاً على البحرين.

فالمصالح الأمريكية هي المحدد الرئيسي الذي يُملي هذا الموقف. والاستبداد الذي ثارت عليه شعوبنا التي صنعت ثوراتها بدمائها وتضحياتها في كل البلدان العربية واحد، وقد انتهت صلاحيته التاريخية بالنسبة لأمريكا.

الجديد في الرؤية الإستراتيجية الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي، لم يتبلور بين عشية وضحاها، أو بعد الثورات العربية التي ابتدأت بتونس ثم مصر كما قد يعتقد البعض منا. فمن بديهيات السياسة الدولية، أن الدول الكبرى وخصوصاً الولايات المتحدة، لا تغير استراتيجياتها بسهولة وبسرعة، تجاه منطقة تجتمع فيها أهم محددات سياستها الخارجية، من مصالح كبرى على رأسها نفط العرب وخطوط إمداداته والموقع الجيوسياسي الفائق الأهمية، وعلاقات التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل طبعاً ودائما.

هذه الرؤية الأمريكية الجديدة بدأت تتبلور في السنوات الأخيرة، بتوافق جمهوري وديمقراطي على ضرورة التضحية بالأنظمة الفاسدة الاستبدادية، لأجل تخفيف الاحتقان الشعبي العربي- الإسلامي ضد أمريكا المنحازة لإسرائيل، لأنهم أدركوا أن الشعوب ستثور على هذه الأنظمة التي لم تعد قادرة على إقناع شعوبها بشيء، كما أنها باتت شبه عاجزة عن تأدية دورها الوظيفي المنوط بها لحماية المصالح الأمريكية.

وبما أن فكرة التضحية بدعم وحماية إسرائيل وأمنها غير واردة، فقد تم التوافق على ضرورة التخلي عن أنظمة الاستبداد المحسوبة عليهم بشكل علني صريح مثل نظام مبارك وبن علي، وكذلك غير المحسوبة عليهم بشكل صريح، لأجل تخفيف احتقان الشعوب والاستمرار بدعم إسرائيل وحماية أمنها.

ولا يتسع المجال في هذه المقالة لنقاش فكري من قبيل، هل فوجئت الإدارة الأمريكية بثوراتنا وغيرت موقفها بناء على ذلك، أم لم تفاجأ؟ فهذا النقاش سيبقى مطروحاً في إطار نخبوي وأكاديمي ضيق إلى حد ما. لكن ما يهمنا الآن، هو أن التغير قد حدث فعلاً تحت وطأة ثورات الشعوب.

منذ حملته الانتخابية برز أوباما كخطيب مفوّه وسياسي مجتهد، ينفذ الإستراتيجية الجديدة التي صاغتها المؤسسات الأمريكية التي اختارته ودعمت انتخابه كي يصل إلى سدة الحكم لتنفيذ مهمة كبرى عنوانها الرئيسي هو تغيير وجه أمريكا في نظر العالم وتنظيف صورتها من الأوحال التي علقت بها. تكلم أوباما عن ثورات الحرية والديمقراطية، بطريقة شاعرية تطرب آذان الشعوب العربية.

وعلى طريقة الآباء المؤسسين مثل فرانكلين وويلسون، تكلم الرئيس الخُلاسي الشاب، والمحامي والسياسي الناجح، عن توافق المبادئ والقيم الأمريكية مع هذه الثورات العربية. وبنبرة تبشيرية خَلاصية، تكلم عن تغيير مرتكزات السياسة الخارجية الأمريكية، من دعم الديكتاتوريات إلى دعم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان العربي والمسلم. ولم ينسَ طبعاً أن يعرّج على ضرورة الإصلاح في كل من البحرين وسوريا، مع أنه يدرك تماماً أن الإصلاح والحوار الذي يَعِدُ به النظام السوري مع الشعب الذي يطالب بالحرية، هو إصلاح حوار يجري بلغة الرصاص..

وتحدث عن مستقبل أفضل لشعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكنه تجاهل تماماً أن مستقبل هذه الشعوب مرتبط بمستقبل شعب فلسطين، شاء من شاء، وأبى من أبى..

فاللغة الشاعرية التي تحدث بها أوباما، تبقى عاجزة تماماً عن رؤية فلسطين كحالة شعرية بحد ذاتها.. وهذا الكلام الجميل والمحق عن الثورات العربية من تونس إلى سوريا مروراً بمصر وليبيا واليمن، لن ينطلي على شعوبنا العربية إذا لم يقترن بفلسطين أوّلاً..

حتى اختيار توقيت خطاب أوباما الموجه للشعوب الإسلامية ليلة الخميس على الجمعة لم يكن مصادفة.. أوباما أو “الشاطر أبو حسين” أرادها ليلة مباركة على الطريقة الإسلامية، وجاء خ0طابه مُحمّلاً بالهدايا والرشاوى فوق المقدم والمؤخر، ضمن وصفات الفكر الاستشراقي الذي عرّاه مفكرنا الراحل إدوارد سعيد.. لكن العروس الفعلية في تل أبيب. أما الغزالة التي يجري ذبحها فهي من صحراء ليبيا وجبال اليمن. والحاضران الغائبان حتى هذه اللحظة في كرنفال الحرية الذي حاول أوباما احتواءَه، هما الشعب الفلسطيني والسوري. لأن هذا الاستبداد العربي الجاثم على صدور شعوبنا طويلاً، هو الذي شرّع الأبواب أمام التدخل الأجنبي، مثما ساهم بنكبة فلسطين من قبل ذلك.

سيد أوباما.. نعرف أنك تحملتَ مُكرهاً لا بطلا، إهانات نتنياهو وغطرسته التي لم تتأخر بعد خطابك. نِتِنياهو الذي تظاهر أمام شعبك وأمام العالم كمن يلقّنكَ درساً في التاريخ.. ونعرف أنك هجرت تعاليم أستاذك الجليل إدوارد سعيد قبل أن تصل إلى سدة الرئاسة، لكن تعاليمه لا تزال في الحديقة الخلفية المهجورة من ذهنك، ولن نلقنك دروساً على طريقة المتعجرف نتنياهو، مع أن ذلك من حقنا..

لكننا ننصحك بصفتك قائداً لهذا العالم الحر، أن تعيد قراءتنا مرة أخرى، من خلال قراءة أستاذك إدوارد سعيد في كتاب الاستشراق أو خارج المكان، وشاعرنا محمود درويش في قصيدتين أو ثلاث على الأقل: خطبة الهندي الأحمر أمام الرجل الأبيض، تُلامُ الضحية، وسيناريو جاهز.. لكننا واقعيون كما الزيتون.

ونعرف أنك لن تغير سياستك بعد قراءة قصيدة أو كتاب، ونعرف أنك لا تستطيع أن تقرر وتصنع سياسة الولايات المتحدة وحدك، بل تصنعها مؤسسات، ونحن معجبون بطريقتكم في صنع السياسة. لكننا سنتحداكم، وسيكون ردنا عليكم باستكمال بناء مؤسسات دولتنا، والتمسك بوحدتنا الوطنية مع “حماس”. نعم “حماس”، التي هي جزء من شعبنا.. نختلف معها حول بعض الأمور، لكننا نتفق معها حول حقوقنا الوطنية المشروعة الثابتة.

كما لا نريدها أن تعترف بإسرائيل، فلم يعترف أي فصيل فلسطيني بإسرائيل، وخصوصاً حركة “فتح”، فلماذا تعترف لكم “حماس” بإسرائيل التي لا تعترف بنا جميعاً ولا ترانا إلا مشاريع للقتل أو التهجير، بل لا ترى فينا بشراً طبيعيين؟

وسوف نتحداكم بصياغة استراتيجية وطنية جديدة منسجمة مع ربيع الثورات العربية التي انتظرناها طويلاً منذ نكبتنا. استراتيجية نابعة من حقنا بتقرير مصيرنا وليس من المفاوضات.

وسنذهب للأمم المتحدة موحدين ومسلحين بحقنا بالحرية والديمقراطية والكرامة والاستقلال. ولا بأس أن نعود لقرار مجلس الأمن رقم 181 وخيارات سياسية أخرى كثيرة بحوزة شعبنا.. أليست هذه مبادئكم يا سيد أوباما؟ ألستم مع حق الشعوب بالحرية وتقرير المصير؟

سنتحداكم في كل ميادين الحرية، من القاهرة إلى صنعاء، ومن تونس إلى دمشق، مروراً بالقدس وغزة ورام الله وحيفا والجولان. وسنثبت لكم أن فلسطين أوّلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقاتتعليقان

  • بسم الله الرحمان الرحيم
    ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم

  • c’est une chanson tres ancienne montée de la memes paroles et de la meme music depuis 60 ans mais c’es bien de rever