حول الأمازيغ و ترسيم الأمازيغية بالدستور الموعود

آخر تحديث : الإثنين 2 مايو 2011 - 11:17 مساءً
2011 05 01
2011 05 02

 

رضوان كسابي

الكل يتحدث عن ترسيم اللغة الأمازيغية والمشاكل التي قد تترتب عن ذلك، دون أن يتخرج البعض من أنانيته ويعكس السؤال من أجل البحث عن الفوائد التي قد يجنيها المغرب من هذه العملية، فالجمعيات التي تدافع عن الأمازيغ كلها تطالب بضرورة ترسيم مباشر للأمازيغية في الدستور الجديد ودون تماطل، نظرا لما ستحصل عليه الأمازيغية من مزايا إذا اعتبرت لغة رسمية للمملكة المغربية، ومنها على الخصوص محو الدونية التي يشعر بها الأمازيغ في وطنهم الأم خاصة أمام الإدارة، وتعيد إليهم تلك المكانة التي كانت لهم في تاريخ المغرب كعنصر فاعل وليس مجرد شعب يقطن الكهوف والجبال كما صورتهم الكتب المدرسية في بداية الاستقلال حيث تم اعتبارهم في كثير من الكتب مجرد همج أو سكان من الدرجة الثانية، وهذا أمر غير مقبول وخطير، لم ينتبه له أجدادنا بسبب استفحال الأمية، لكن صعود الأجيال الحديثة كشف الغطاء على كثير من الممارسات المهينة في حق الأمازيغ، الثقافي والحضاري، بل وحتى الاقتصادي وهو لأخطر.

وبين إعادة الاعتبار للأمازيغ شعبا ولغة وثقافة وحضارة وبين الرفض الذي يواجه به ذلك المجهود من طرف بعض المتعصبين الذين يعتبرون أنفسهم عرب، والذين يحاولون جاهدين اعتبار اللغة الأمازيغية منافس للغة العربية بينما الحقيقة التي يتعامون عنها هي أن اللغة الفرنسية هي التي تريد التهام الكل بدون رحمة، وهذه اللغة الاستعمارية لم يدخلها الأمازيغ إلى المغرب، بل روج لها بقوة النظام الملكي وحكومة البورجوازية الفاسية منذ الاستقلال إلى اليوم، وهي التي تدعي العروبة وتتبجح بدفاعها عن العربية بينما هي من يقتل العربية مع سبق الإصرار والترصد، فالأمازيغية لغة جنينية لن ولن وألف لن تشكل أي منافس للغة العربية لأسباب موضوعية يعلمها القاصي والداني، بل يتم إحيائها فقط من أجل الاعتراف بحق السكان الأصيلين للمغرب، وهم أمازيغ أحرار احتضنوا العربية دون جبر من أحد وهم من يحمل اللواء من أجل الدفاع عنها وقبلها عن الإسلام الذي حمل هذه اللغة خارج الجزيرة العربية.

لقد ظل الأمازيغ طويلا جزء لا يتجزأ من الشعب المغربي، وهم من دافع عن المغرب في أحلك فترات تاريخه العريق، وهم الآن من يحافظ على وحدته الترابية، وكل من أراد أن يتأكد من هذا الأمر عليه أن يبحث في أصول جميع الجنود المغاربة الرتب الصغيرة والمتوسطة في الصحراء من أين ينحدرون؟، أكثر من 80% منهم من أصول أمازيغية وهذه حقيقة أتحدى أي شخص أو أي إدارة مغربية تكذيبه، لدرجة أن أبناء الصحراء يصفون المغاربة قاطبة بالشلوح أي الأمازيغ كتميز واضح لهم عن أبناء الصحراء الذين ينحدرون من أصول عربية، فالتاريخ يثبت على أن الأمازيغ بالمغرب كانوا دوما مع الوحدة وأن التجزئة والتشرذم لا يرتبطان بهم بقدر ما يرتبطان بوجود وحضور العنصر العربي!، من يحمل السلاح في وجه الوحدة المغربية؟ الريف الأمازيغي الأكثر تميزا، أم سوس الأمازيغي الأكثر تجدرا، أم أبناء الصحراء العرب الذين لا يفصلهم أي شيء مميز عن باقي المغاربة، ثم هل الأمازيغ مسئولون عن التمزق والتجزئة التي يغرق فيها العالم العربي؟ حتما لا، لأن الأمازيغي وحدوي بطبعه فهو لم يثبت في تاريخ المغرب أن كان داعية للتجزيء، بل هو عنصر الالتحام الشامل بين المغاربة جميعا لذلك الخوف من نزوع الأمازيغ للانفصال مجرد تلفيق يطلقه كل من أراد أن يسيء لحركة تصحيحية داخلية يتزعمها الأمازيغ، فالمنطق يقول بأن أرض شمال إفريقيا هي بلاد الأمازيغ فلماذا سيطالب الأمازيغي بالانفصال؟ وعن من سينفصل؟ وبماذا؟، لذلك أقول إن الترويج لوهم سعي الأمازيغ للانفصال ليس إلا در للرماد في العيون من أجل الحفاظ على الوضع القائم الذي يتميز بالحيف والتهميش التام من الحياة السياسية والثقافية خاصة، بل وإن هذه المطالب المشروعة غالبا ما يتم تحويرها عن معناها الأصلي لكي تخدم مصالح القمع والاستئثار بالغنيمة وعدم تحكيم العقل من أجل تقاسم السلطة بما فيه خدمة الصالح العام، فالأمازيغي عندما يطالب بإشراك الجميع في اللعبة السياسية بالبلاد وبالتالي استفادة الكل من خيرات البلد، يتهم مباشرة بإثارة القلاقل والفتنة، بينما الذي يثير القلاقل والفتنة الحقيقية هي الطغمة الحاكمة التي ترفض التواصل مع المجتمع وتسيطر على مقدراته وتغيب العدل وتعمل على تفتيته وتخويف الكل من الكل لتبقى هي تنعم بغنيمة الحكم وممارسة السلطة لوحدها  دون غيرها.لا وألف لا لتحامل على الأمازيغ!.

ثم إنه من الخطأ الفادح اعتبار كل من يتحدث العربية في المغرب عربيا، فلو تم تحليل علمي دقيق لجينات المغاربة لوجدوا أنهم أمازيغ بأغلبية 90% وهذا ما أثبتته دراسة علمية أمريكية حول الأثر الجيني للفينيقيين على سكان شمال إفريقيا سبق وأن نشرت ترجمتها العربية في مجلة الثقافة العالمية الكويتية عدد 154 تحت عنوان من كان الفينيقيون؟.

لكن الأثر المهم الذي لم يدركه أحد والذي سيخلفه ترسيم الأمازيغية على المغرب والمغاربة إذا تم فعلا، ليس تقسيم المغرب عرقيا واثنيا كما يحاول القول بعض ممن يصطادون في الماء العكر ، وليس إثارة للقلاقل النائمة التي لا يزال البعض يحاول النفخ في نيرانها، بينما هي مجرد وهم يحاولون به إرعاب خصومهم السياسيين، بل غير ذلك كله.

إن جعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية للمملكة المغربية سيعمل على زيادة عصبية المغاربة التي تنهار تحت ضربات من ينحدرون من أصول عربية في الصحراء، وبالتالي إحساسهم بالتميز عن غيرهم من شعوب المتوسط، وبالتالي الكف عن الاحتماء والتباكي داخل الحشد العربي الباهت ولو وهما، فنحن ندرك أن المغرب جزء لا يتجزأ من العالم العربي وتلك مسألة مصيرية وانتماء حضاري وليس عرقي، فإحساس المغاربة بالفرادة والتميز سيزيد من عصبيتهم وبالتالي الوحدة ليس السياسية والثقافية فحسب، بل حتى الوحدة النفسية التي تدفع الإنسان والشعوب والأمم إلى الاعتماد على نفسها من أجل تحقيق إنجازها الحضاري، والكد والعمل لمصلحة الوطن، وعدم انتظار المدد من أحد حتى من المقربين، لأنه لا يوجد أي مؤشر يؤكد على قدومه في الوقت الراهن، فكلما انحل الفرد/الشعب في الجماعة كلما اتكل على الآخرين لحمايته عكس الحالة التي يكون فيها وحيدا وبالتالي يستجمع كل قواه للدفاع عن النفس، فالمغاربة لو كانوا يعتمدون على الحس القومي العروبي كما روجت له التيارات العبثية عفوا البعثية التي تنهار على وقع ضربات الشعوب، خلال الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، رغم أنه لم يكن موجودا آنذاك، لما صمد مقاوما بعد سقوط الأندلس ولما حرر سواحله من الوجود البرتغالي والاسباني، تعرفون لماذا؟ لأنهم كانوا يدركون أنهم يقاتلون وحدهم في الساحة وأن لا معين لهم إلا الله وعصبيتهم المغربية، عكس ما يحدث الآن حيث يسترخي كل العرب لأن كل واحد منهم يتكل على الآخر لإنجاز المهمة الحضارية وبالتالي لم ينجزها أحد منهم.

والله أعلم.

 

البريد الالكتروني للكاتب:  r.kessabi8@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.