«زنقة.. زنقة»!

آخر تحديث : السبت 9 أبريل 2011 - 11:23 صباحًا
2011 04 09
2011 04 09

د. مراد الصوادقي:

أول مرة أقرأ كلمة زنقة، كان في مدينة طنجة المغربية في العام الماضي، حيث وجدت نفسي أتجول في زنقات المدينة، وكنت أقرأ علامات تشير إلى زنقة فلان الفلاني، وتتابع الزنقات التي تسبق أسماء الأشخاص.

والزنقة هي دربونة ضيقة لا يمكنها استيعاب سيارة، وتكون مزدحمة بالمارة من أبناء البيوت ذات الطوابق التي تؤلف الزنقة. والزنقات عبارة عن متاهات من الصعب على الغريب الخروج منها من غير دليل. ويسكن في الزنقات أبناء المجتمع البسطاء وأكثرهم من المعدومين والمحرومين. ويجلس على جوانبها المعوقون والذين يطلبون العون من الآخرين، وترى مساجد وجوامع يصلي فيها الناس خمسة أوقات.

ويبدو أن الماء لا يصل إلى البيوت في الزنقات، فترى بين بضعة زنقات وأخرى مكانا لحنفية ماء عامة يملأ منها أبناء الزنقة أوعية لخزن الماء. وقد حاولت أن ألتقط صورة لإزدحام أهالي الزنقة حول حنفية الماء، فهب بوجهي صبي أقل من العاشرة وهو يصرخ، لا، لا، لا تأخذ صورة، وحشّد المجتمعين ضدي، وأصبحت في موقف لا تحمد عقباه، فعدلت عن أخذ الصورة واعتذرت من الذين حول حنفية الماء.

أجبرني ذلك الصبي على التفكير والحذر قبل إلتقاط صورة، لكن استجابته جعلتني أدرك بأنه يعرف بأن الحال مرفوض وغير صحيح وأنه لا يليق به كإنسان. فالعيش في الزنقات ليس سهلا ومريحا، وإنما فيه الكثير من الصعوبات والعوائق وأبسطها قلة الخدمات وصعوبة التنقل والحركة، لعدم قدرة السيارات على السير فيها.

وعندما سمعت التهديد بالدخول إلى الزنقات، أخذت أتصور المساكين الأبرياء الذين بحاجة إلى العون والرحمة والرأفة، وقد تراكضت في زنقاتهم قوات عسكرية شرسة تقتل منهم ما تشاء بحجج باطلة ومرتبة لتحويل الزنقات إلى أنهار دم.

إن التهديد بلغة “زنقة، زنقة” من التصريحات الدموية المتوحشة التي تعبّر عن إرادة الكرسي الطاغية المنطلقة من عرين الوحوش السابغة. وهو اندفاع نحو أبناء الشعب البسطاء الحالمين بحياة طيبة وكرامة إنسانية، مثل الصبي الذي منعني من أخذ الصورة، لأنه حسب ذلك خدشا لكرامته الإنسانية.

إنّ الذين يصرحون بهذه الكلمات المسعورة عليهم أن يتأملوا ذلك الصبي ويقفوا عنده طويلا، لأن سلوكه يعني الكثير ويكشف عن طاقة حياة وتطلع نحو المستقبل، ويرمز لرفض شديد وكامن فيه وفي المجتمع. فمن أين تعلم الصبي ذلك السلوك؟

إنه بالتأكيد قد خبره من معايشته لمجتمع الزنقات وتفاعله مع تطورات الحياة ومستجداتها، وأنه قد تمكن من رؤية الحياة في مجتمعات أخرى عبر شاشات التلفاز والإنترنيت، وراح يتساءل لماذا نحن نعيش هكذا وهم يعيشون كذلك؟ وأخذ يبحث عن السبب، فلاحظ القهر الحرمان ومنع الحريات والآراء، والإذعان للسلطان، الذي هو الآخر يعيش في عالم بعيد عن حياة الزنقات.

فلا يوجد حاكم عربي قد تجول في زنقة وتعرف على حياة الناس فيها، لكننا سمعنا بحاكم عربي يريد تفتيشها والبحث عن مناوئيه ليدمرهم في بيوتهم وزنقاتهم، لأنهم قالوا نريد الحياة.

إن الزنقات والعشوائيات، قد ثارت وتحررت من الخوف وأبت الذل والإستكانة للامتهان والتعسف والحرمان، وأدركت أن الطريق الأفضل لصناعة الحياة يكون بالتظاهر الحضاري المعاصر الذي تطلب بواسطته حقوقها الإنسانية المشروعة التي تضمنها لها لائحة حقوق الإنسان المعترف بها دوليا.

ولن يخاف الناس في هذه المواقع السكنية المحرومة من أساسيات الحياة وشروطها الصحية والمعيشية.

فلماذا تكون الكراسي شرسة ومتمادية بالوحشية والتهديد لأضعف الشرائح الاجتماعية وأكثرها حاجة للخدمات والعون والاهتمام؟ أهذه هي بطولاتها وإنجازاتها الوطنية التي تتفاخر بها؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.