جماهيرية الجنون

آخر تحديث : الأحد 3 أبريل 2011 - 6:06 مساءً
2011 04 03
2011 04 03

د. عبد الاله بلقزيز

على مدخل معسكر لتدريب المدنيين المتطوعين في بنغازي، رُفعت لافتة كبيرة كُتب عليها “تسقط الجماهيرية الاستبدادية الفاشية العظمى”. يختصر الشعار هوية “الدولة” الليبية التي أقامتها “ثورة” الفاتح على أنقاض الدولة والمجتمع معاً.

ليس في كلمات اللافتة ما يشير إلى ليبيا، ولا إلى الصفات التي خلعها القذافي على جماهيريته من عروبة وشعبية واشتراكية، إنها جماهيرية مجردة من أية هوية سوى الديكتاتورية والقمع، وهي مفروضة على الليبيين باسم ليبيا كما تُفرض عليهم عبارة الليبي صفة لعقيدها الحاكم ولأن العقيد “وحدوي”، فقد وحّد في جماهيريته- على نحو ما تُفصح اللافتة- بين أنواع الأنظمة السياسية المرذولة في التاريخ المعاصر كافة، فجمع إلى الاستبداد الشرقي الموروث النظام العسكري القمعي وحكم الأوليغارشية، وتربّع هو على عرش هذه الخلطة الكيميائية السياسية العجيبة.

يصف الشعار، ببالغ الدقة والنباهة، واقع الحال في مملكة الخوف والدم التي أقامها الطاغية منذ قرابة جيلين، وطبيعة تلك “المملكة” التي لا يجد المرء منا نظيراً لها ولا مثيلاً يشبهها أو يقارب. إنها صُنعت كي تكون عصية على المضاهاة ومتفردة في التكوين والشخصية بحيث لا يضارعها نظام سياسي في الكرة الأرضية. على مقاس مؤسسها ومنزعه إلى التفرد والتمايز عن البشر جميعاً، صُنعت كي تكون ما هو، على مثاله ومثال غرابته. شاذة هي عن المألوف شذوذ الخيال “السياسي”- الذي صنعها- عن كل خيال.

وإذا كان العقيد قد أفلح في شيء، ففي أنه حوّل ليبيا وشعبها إلى مختبر لتصنيع “نظام سياسي” لم يهتدِ العقل البشري إلى مثله في أي مكان آخر في العالم، وتجريبه أو اختبار نجاعته في الاشتغال وفي البقاء على قيد الحياة لمدة جيلين!

رُبّ بعض الإفاضة والتنفيل يفيد هنا في إماطة اللثام عن وجوه أخرى مخفية من هذه الكيمياء السياسية الجماهيرية. “دولة” العقيد مزيج من مؤسسات الضبط الاجتماعي الحديثة، مثل أجهزة الأمن والمخابرات والجيش ومليشيات الأبناء المدربة والمنظمة على أحدث طراز، ومن بداوة سياسية تنضح منها ومن نظام اشتغالها. الخيمة المنصوبة في العراء والجهاز الأمني المندس في تفاصيل النسيج الاجتماعي، رمزان لذلك التجاور الغريب بين البداوة و”الحداثة” في جماهيرية العقيد البائسة. في فضاء بدوي “= الخيمة”، وبعقل بدوي، يُصنع القرار وبأجهزة وأدوات حديثة يُنفذ. إن تحرّينا الأمانة أكثر نقول: هي ليست سمة خاصة بجماهيرية القذافي، بل يشترك معه فيها عرب كُثر، لكنها أفقع عنده من غيره، أو هو بسلوكه يجعلها تبدو كذلك على الأقل.

من النافل القول، إن حُكمه المديد كان يفتقر، منذ اللحظة الأولى، إلى كل شرعية. فهو على صهوة الدبابة أتى إلى السلطة وانقض على عهد سياسي تمتع فيه الليبيون بالحريات. وهو لم يأتِ مكتسبات تنموية أو وطنية يعوّض بها عن فقدانه الشرعية الديموقراطية ويصنع من طريقها شرعية الانجاز.

وإذا كان في ليبيا نفط، فليس هو من اكتشفه او دلّ الناس عليه، وهو إلى ذلك بدده في مغامراته الإرهابية والزعامية وفي بذخ أفراد أسرته ورشوة زعماء الغرب للتستر على ارتكاباته. ولقد اشترى السلاح بوفرة وكدّسه، ولم يستعمله إلى لقصف شعبه في بنغازي والبريقة والزاوية.

أما الحرب “الوطنية” الوحيدة التي خاضها، فقد خسرها في مواجهة مقاتلين حفاة عراة من تشاد، وكان ذلك فضيحة وعاراً على العرب جميعاً. ولقد قذف إسرائيل بوابل من صواريخه الكلامية من منصات الخطابة ولم يستعمل في مواجهتها بندقية صيد واحدة، وكل مساهمته الوحيدة، بعد “فلسفته” عن “إسراطين” أنه شق صفوف الثورة الفلسطينية وأوسع الشروخ فيها، وأرشد على اغتيال قادة فيها “= فتحي الشقاقي” وأخرس أصوات مناصريها “= السيد موسى الصدر”، وما خفي أعظم.

كيف أمكن لرجل لا يملك أية شرعية ان يبقى في السلطة كل هذه السنوات وأن تفلت جرائمه الداخلية والخارجية من كل عقاب؟! من النافل القول إنه وفر البيئة الداخلية المناسبة لاستمرار حكمه منذ اللحظة الأولى التي أنجز فيها انقلابه العسكري، أنهى السياسة والحياة السياسية في ليبيا، ووظف ثروة البلد في بناء أجهزة أمنية ضاربة، وفي شراء ولاء القبائل، ومارس الإرهاب الأعمى ضد المعارضين لحكمه، ونشر الخوف في المجتمع، وأطلق قوى القمع في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، فمنع أي شكل من أشكال التعبير او الاحتجاج، حتى أكثرها تواضعا وأقلها رمزية. وعلى المرء ان ينصف شعب ليبيا ويلتمس له العذر في عدم قدرته على وضع حد لجبروت نظام شرس من هذا النوع، فالشعب هذا كان مجرداً حتى من سلاح الكلمة، ولقد تركه العالم كله لقدره تحت رحمة الإرهاب التي هطلت عليه من دون توقف.

لقد فعل طاغية ليبيا في “شعبه” أضعاف أضعاف ما فعلته الفاشيات العسكرية في أمريكا اللاتينية في عهود عنفوانها الدموي. ولذلك، لم يكن في وسع الشعب الليبي ان يغير نظامه بالوسائل السلمية الديموقراطية، على نحو ما فعل الشعبان التونسي والمصري، فلقد شاء العقيد ان يُنهي حكمه بمثل ما بدأه: بالسلاح والقتل، ولم يترك للشعب من سبيل سوى أن يحمل السلاح في وجهه فيبدأ بتحرير وطنه ومصيره شبراً شبراً، بيتا بيتا، زنقة زنقة حتى النصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.