العدالة الاجتماعية هي الدعامة الأولى للأمن والاستقرار

آخر تحديث : الأحد 27 مارس 2011 - 4:46 مساءً
2011 03 27
2011 03 27

قلم – سلمى المعداني

زرع شباب 20 فبراير الأمل في نفوس المواطنات والمواطنين التواقين إلى عدالة اجتماعية، وذلك بعد ما أنهكت قوى جيلنا، وضعف نور البصر و البصيرة لدى بعضنا، وبدأت تنضب محبرة أقلامنا.

شباب 20 فبراير و روح المواطنة الحقة

بعد أزيد من ثلاثين سنة من مقاومة الشعور بالإحباط داخل مؤسسة تعليمية سميتها، في مقال سبق ونشرته في جريدة الأحداث المغربية، ب “معتقلات الفكر”(12/ 04 /2000)، فإن شباب 20 فبراير جاء ليبعث روح الآمل في جيلنا الهرم. لقد نزلت إلى ساحة شارع محمد الخامس بالرباط لكي أحيي، لدى هؤلاء الشباب، روح المواطنة الحقة، لا تلك المزيفة بالمساحيق المثيرة للاشمئزاز، و كذا روح المسؤولية والانضباط الذي برهن على مستوى أخلاقي وحضاري عال. وقفت برفقتهم لكي أحتفي بتحررهم من قيود الفكر، المصابة بالصدأ، و التي ما زالت كابسة على عقولنا منذ قرون….. منذ أحرقنا كتب ابن رشد ورمينا في غياهب النسيان كل ما من شأنه تنوير الفكر في تراثنا الغني.

إنني أتكلم بصفتي مدرسة شاهدة، كجل زميلاتي وزملائي، على الحالة المزرية والمتردية التي بلغها تعليمنا (رتبة 126 على 177 دولة وأزيد من 50% من الأميين). و بعدما فقدت الأمل شخصيا في أجيال صاعدة اقتلع زهرة أدمغتها “القرقوبي” الذي يباع داخل المؤسسات التعليمية، ونخرت عقولها فيروسات الجهل “الممنهج” وسوء التربية مع انعدام الوعي بالمسئولية السائد وغياب التأطير السياسي بعد استقالة الأحزاب الوطنية، فإنني أقول إن شباب 20 فبراير يستحق التقدير والاحترام لأنه كون نفسه بنفسه وبفضل مربيين من أمهات وآباء ومدرسات ومدرسين ملتزمين وواعيين بمسؤوليتهم و كذا بفضل ثلة من المثقفين ما زالت تؤمن بالرسالة. فلنأخذ العبرة من هذا الشباب الذي استطاع أن يوحد صفوفه بشكل تلقائي وعفوي عبر شبكة الإنترنيت، بالرغم من الإهمال الذي طاله، منذ عقود، من طرف مؤسسة تعليمية تجتر مقررات بائدة و تسلك طرقا غير معبدة، ومن طرف هيئات سياسية تخلت عن قواعدها لتغط في النوم الثقيل على مقاعد مخملية مريحة يمولها الشعب برمته بنفقات باهظة أنهكت كاهله .

قراءة أولية: حرص حركة شباب 20 فبراير على التوجيه المعقلن للنقاشات القائمة

ومن خلال قراءة أولية لما ينشره هؤلاء الشباب عبر مواقع الإنترنيت من وجهات نظر في جل المنتديات العامة و La blogosphère، وبالمقارنة مع دردشات (les chats) السنوات الفارطة، يبدو جليا أن مستوى النقاش وإبداء الرأي يرتفع بشكل ملموس لدى شريحة كبرى من المتدخلات والمتدخلين، بل و بسرعة تثير الإعجاب، وذلك بالرغم من التشويش العنيف كالقذف العلني والاتهامات المجانية التي تنم عن تطرف في الرأي أو أحكام مسبقة وآراء سبق الوهم على شريحة ما من المجتمع المغربي أو عن الشعبوية الصرفة.

وعلى العموم، فإن جل المشاركين يحرصون على توجيه الحوار و النقاش توجيها منطقيا وعقلانيا لتفادي الانزلاقات المثيرة للفتنة والتي تخترق أحيانا بعض المداخلات المعبرة عن معاناة حقيقة وغضب له مبررات وأسباب لا ينكرها إلا جاهل غبي أو متجاهل لئيم، وكلاهما طامة كبرى.

وإن هذا الحرص على التوجيه المعقلن للنقاشات القائمة عبر وبين مواقع الإنترنيت لهو اللبنة الأساسية للتربية السياسية التي حرم منها هذا الشباب، فالكل يعلم أن اختلاف الآراء، وتضارب وجهات النظر حتى، هي من المؤشرات الايجابية على تطور الفكر داخل المجتمعات.

حملة الدغمائية والديماغوجية والشعبوية المثيرة للفتن

ومما تجدر الإشارة إليه هو تلك الحملة الشنيعة والمخجلة التي قامت ومازلت تقوم بها أقلام وأصوات من بينها من يدعي انتمائه إلى صحافة وطنية مستقلة حرة، لينهال بالرجم وبالقذف أحيانا وبرشق شباب 20 فبراير بتهم يندى الجبين لكتابتها على هذه الصفحات. فكفي من الشعبوية، وكفى من الديماغوجية وكفى من الدغمائية، وكفى من استغلال استمرار الأمية وانتشار شبه الأمية لنشر الأكاذيب و الضلال والظلامية بين القراء لأننا سئمنا الرداءة التي تبوأت مكانة الصدارة في عدد من المنشورات والمنابر الإعلامية في بلدنا، فقد سبق ونشرت مقالا منذ سنين في جريدة العلم حول هذه المعضلة : ” من اجل تألق الصحافة الوطنية” وكان كسابقيه ولاحقيه، مجرد صيحة في واد. إن الصحافة الوطنية الحقيقية تتميز عن صحافة الرصيف ببعد النظر و التروي و الحصافة. فما هو إذن هدف خلط الأوراق إن لم يكن التضليل المبرمج أو السعي وراء الربح السريع بعد الدوس على أخلاقيات المهنة ؟

ألم يحن الوقت بعد لأن يستتر منا من ابتلى بالغباء أو باللؤم ؟ فعوض أن نحمد الله على أن شباب 20 فبراير نجا من طاحونة الأمية والجهل، ونجا من فيروس الغش وما ترتب عليه من آفات اجتماعية واقتصادية، ونجا من أخطبوط المخدرات و”القرقوبي” المادي والمعنوي، ونجا من الانحراف والإجرام، وبالرغم من البطالة المتفشية بسبب قلة فرص الشغل ، وسوء التكوين الماثل للعيان الذي عانت ومازلت تعاني منها نسبة مهمة من بين شباب 20 فبراير، عوض أن يقف جيلنا احتراما لهؤلاء الشباب بعدما نجحوا بتفوق في تخطي كل هذه العراقيل الكارثية التي جرفت بعدد لا يستهان به من أفراد جيلهم في دوامة التخلف و البؤس المادي و المعنوي، إما أن نصدر على حركتهم أحكاما تنم عن العجرفة والنظرة الدونية “التحقيرية” وإما أن نتشدق بألفاظ بذيئة واتهامات مجانية محبطة. أليس حريا بنا، بادئ ذي بدء، محاولة القيام بنقد ذاتي لتصرفاتنا، هدفه إعادة النظر في مسؤولياتنا ؟ أليس من واجبنا الاستماع بتمعن وبروية لكل وجهات النظر ومحاولة فهمها وتحليلها قبل مناقشتها وذلك لكي نتمكن من مشاركة فعالة في عمل وطني تنموي جماعي، كل حسب اختصاصاته وكل داخل ميدان عمله أو نشاطه ؟

شتان ما بين آليات الحفاظ على الأمن العام المنشود و بين آلة عمياء لقمع روح المواطنة

أفيقوا يا دوي الضمائر المستترة، فشتان ما بين آليات الحفاظ على الأمن العام المنشود و بين آلة عمياء لقمع روح المواطنة، و حذار حذار من قنبلة التعسف و القمع الموقوتة. لقد أثبت تاريخ الأمم على أن القمع بألوانه البشعة مثله كمثل قنابل موقوتة يزرعها الطغاة الأغبياء تحت أرجلهم، و ما هي إلا مدة زمنية و تأتي على اليابس و الأخضر، فتشتعل فتن و تعم فوضى لا تحمد عقباها. إن المسئولين الشرفاء الساهرين حقا على أمن و سلامة البلاد من الفتن و الفوضى لا يخفى عليهم على أن آلة التعسف من أخطر أسلحة الفساد الفتاكة بضحاياها و بمستعمليها الأغبياء في نفس الآونة.

إن شبابا ينظم مسيرات سلمية احتجاجا ضد الفساد هو بالذات الحرص الأسمى على الحفاظ على الأمن و على الاستقرار و الضامن له حتما، أما آلة القمع و التعسف و الخرق السافر لحقوق الإنسان، فإنها هي التي تشكل الخطر بعينه على الأمن و الاستقرار الذي ننشده. أقول: “ننشده” لأن الجريمة و العنف و السرقة تفشوا بشكل مخيف للغاية مند سنين في بلدنا بسبب الفوارق الاجتماعية الصارخة وبسبب البطالة، و نتيجة للفساد الذي نخر كل القطاعات. انتشر العنف لدرجة أن صغار موظفي الأمن الوطني أصبحوا يؤدون الثمن باهظا، بسلامة أرواحهم أحيانا، و لدرجة أن المواطنين المغاربة أضحوا بين مطرقة الفساد الإداري و سندان الجريمة الموصوفة و العنف في الشوارع و الطرقات. و إن انتشار الجريمة و العنف الذي نعاني منه يوميا ليستمد قوته، بنسبة مهمة حاليا، من حبات القرقوبي، القاتلة لبراعم هذا الوطن، و التي تباع في السوق السوداء في واضحة النهار. ألا نتساءل من يا ترى قام و يقوم بزرع هذه القنابل النووية داخل الأسر المغربية ؟ أين هي تلك الأعين الثاقبة التي أنيطت بها مسئولية السهر و الحفاظ على أمن و سلامة بلدنا ؟ لقد أدرك المجتمع الدولي برمته أهداف اللعبة الخسيسة و الجهنمية التي تقوم بها مجموعة من المفسدين المتسلطين الذين أقسموا على تخدير شباب و تحويله إلى آلة مدمرة، ثم قمع كل من رفض التعاطي للسموم التي يوزعونها. و إن صمتنا على جرائم المدمرين للموارد البشرية لهذا البلد لتواطؤ سافر مع المثيرين الحقيقيين للشغب و أعمال العنف.

أيواجه، بآلة التعسف، شباب يمثل، بما له و ما عليه، الثروة البشرية و مستقبل البلاد ؟ أ يواجه شباب مسالم متعطش إلى العيش الكريم بآلة تعسفية قمعية تشكل في حد ذاتها خطرا على الاستقرار الأمني و السياسي و الاقتصادي، أ نقوم بقمعه عوض مؤازرته بتعزيزات أمنية ضد أعمال الشغب و الخروقات القانونية السافرة و أعمال العنف المتفشية ؟ إلى متى ستستمر مصادرة مواردنا البشرية الشابة ؟

الاجتهاد على التحضير لمشاركة فعالة مستقبلا في الانتخابات كهيئات سياسية وازنة

سلمى المعداني

ما آ مله وأتطلع إليه، بصفتي مدرسة ومربية، هو أن تتنظم حركة شباب 20 فبراير وتشكل هيئات سياسية تمثل التيارات المختلفة داخل الحركة و داخل المجتمع المغربي بكل طبقاته و بكل مكوناته الثقافية و السياسية، و أن تعمل على مواكبة الإصلاحات الدستورية، وأن تجتهد على تحضير نفسها للمشاركة مستقبلا في الانتخابات كهيئات سياسية وازنة، تتوفر على برامج اقتصادية واجتماعية عملية بالمعنى الصحيح.

إنه لمن الغي تقليل وتنقيص وحصر حركة 20 فبراير في مجموعة شباب شبه أمي سياسيا وبالتالي، لم ولن يقدم سوى مطالب تنم عن نظرة سطحية. إن كان هناك حقا نقص واضح في الأسلوب والتعبير، و نقص في نضج الأفكار بالنسبة للبعض، فلا ينبغي أن ننسى التردي الكارثي لمستوى تعليم اللغات و الآداب و العلوم الإنسانية و لا ينبغي أن يغيب عن نظرنا على أنه يوجد من بينهم مراهقون في طور التعليم والتدريب على النقاش، وإن ما يرفع من قيمة حركتهم هو شرعية المطالب وانعدام لغة الخشب التي تعود جيلنا على استعمالها ببؤس. وعليه، فإن ما يظهر لنا في منتديات ومواقع الانترنيت ليس إلا سطح جبل الثلج العائم في المحيط العالمي، أما ثلثي جبل الثلج هذا، و الذي يمثل قاعدة حركة شباب 20 فبراير، فإنه مكون من شباب درس إما الإعلام، أو العلوم الاجتماعية (حقوق، سياسة و اقتصاد)، أو العلوم الإنسانية عامة (علم النفس، علم الاجتماع أو اللغات) أو العلوم البحتة بجل شعبها ومسالكها. وإننا لنتناسى أنه همش تكوين جلهم، أو أحبطت أعمال ومبادرات دوي التكوين العالي المستوى من بينهم نقضا وإبراما، ومن بينهم من غادر التراب الوطني قهرا وينتظر العودة بفارغ الصبر، أما السواد الأعظم، فإما نراه يعمل تحت الضغط وإما يساير الفساد مرغما وإما يعاني من البطالة.

التركيز على ما هو استعجالي وضروري لضمان الاستقرار والأمن خلال هذه المدة الانتقالية الصعبة

وختاما، وفي انتظار الإصلاحات الجذرية التي ستتطلب متسعا من الوقت و مجهودات حقيقية ومكثفة من طرف جميع الكفاءات الوطنية، أعتقد أنه من واجبي كمواطنة ، التذكير، من وجهة نظري، بما أعتبره مستعجلا وضروريا لضمان الاستقرار والأمن خلال هذه المدة الانتقالية الصعبة:

– تكوين لجن داخل المجتمع المدني وبمؤازرة و دعم من طرف المسئولين الذين يشهد لهم بالنزاهة (من قطاعات الأعلام و التعليم و السياسة و المنظمات الغير الحكومية) تسهر على مواكبة حركة شباب 20 فبراير بهدف توفير الظروف المواتية لها لبلورة المطالب المشروعة في إطار سياسي منظم و مؤطر و قانوني، لا من أجل احتوائها و دفنها، بل ضمانا لاستمرارية الحوار الوطني الذي أحيته بشجاعة و بروح وطنية و شعور بالمسئولية،

– خلق فرص الشغل، بالنسبة للفئات الفقيرة أولا، موازاة مع تكوين مهني ليد عاملة هادف وسريع ومكثف يواكبه أعلام وطني شفاف، فالمشاريع الراهنة مهمة جدا و متعددة و كفيلة منطقيا بضمان فرص الشغل و محاربة آفة البطالة،

– استمرار دعم الدولة للمبادرات الحرة النزيهة ذات المردودية مع التصدي قانونيا لكل عرقلة، عوض تشجيع سوق المضاربات والاحتكار الذي ينعشه مناخ الريبرالية المتوحشة المعتمدة على الارتشاء والزبونية والمحسوبية.

وكفانا جمودا و نقاشات عقيمة ولغوا و تثبيطا للهمم خصوصا و أن الظرفية الحالية تتطلب مشاركة كل الفعاليات الوطنية الحرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.