الشعـوذة فـي البنيـة المجتمعيـة المغربيـة.. تحليـل سوسيولوجـي

آخر تحديث : الجمعة 13 مايو 2011 - 4:24 مساءً
2011 03 13
2011 05 13

كتبهـا : د. عبـد الفتـاح الفاتحـي

ترجع عدة دراسات سوسيولوجية تنامي التعاطي للشعوذة في المغرب إلى المشاكل الاجتماعية كالأمية والبطالة والإحساس بالتهميش والإقصاء الاجتماعيين، وتعد هذه الظواهر المتفشية في المجتمع أحد الأسباب المشجعة على إنتاج واستهلاك أعمال “الشعوذة” والأعمال المرتبطة بها كالسحر والعرافة، واستعمال الأدوات المساعدة كالتمائم وأنواع البخور، وزيارة الأضرحة وغيرها من الطقوس… وتفيد الدراسة ذاتها أن الجهل والفقر كانا عاملين دالين في مؤشرات تعاطي المغاربة للشعوذة إنتاجا واستهلاكا، لكن هذين العنصرين غير حاسمين، لأن المتعاطين لأعمال الشعوذة هم أيضا من داخل الأوساط المثقفة والمتعلمة. وعلى العموم فإن الجهل والفقر يعدان أهم الدوافع الموضوعية والمشتركة لجميع المتعاطين لأعمال الشعوذة من كلتا الفئتين الجاهلة الفقيرة، والمثقفة المتعلمة. وأكدت دراسات إحصائية عربية أنه في العالم العربي يوجد عراف واحد لكل 1000 نسمة من المواطنين العرب. كما استخلصت الدكتورة “سامية الساعاتي” في دراسة أعدتها عن السحر والشعوذة في المجتمعات العربية أنَّ 55% من المترددات على السحرة هنَّ من المتعلمات ومن المثقفات، و24% ممن يُجدن القراءة. ويعتقد الناس أن أعمال الشعوذة والسحر طريقة وأسلوب يبذل فيه المشعوذون جهودهم للسيطرة على البيئة والعلاقات الاجتماعية، ويعتقدون أيضاً أنها واسطة يمكن من خلالها حل المشاكل المستعصية، وعلاج الأمراض المزمنة التي فشل الطب الحديث في علاجها. والحق أن الشعوذة ليست ظاهرة مقتصرة على المغاربة فحسب بل تطال جميع الأقطار العربية والإسلامية، وحتى الغربية، إنها ظاهرة صارت معولمة وتطال كل المجتمعات لكن بأساليب مختلفة. إن أعمال الشعوذة في المجتمعات العربية كما في كل المجتمعات الإنسانية محاولة لتجاوز مشكلات الحياة الصارمة، وملاذ للباحثين عن الوهم حين تنقضي الآمال في العيش وفي العلاج وفي الاستقرار، ولعل هذا التحليل هو الذي يجعل أعمال الشعوذة تحافظ على وجودها داخل مجتمعات العلم والمعرفة، وفي تناقض صارخ لفلسفة كل المجتمعات خاصة العلمانية منها، والتي تتخذ من العلم شرعة ومنهاجا، ففي هذه البلدان يتحكم المشعوذون في تحريك سيولة مالية ضخمة. ويتزايد المتعاطون للشعوذة وتتنوع فئاتهم، حتى أنك تعجز في أن تجد تفسيرا موضوعيا لأسباب تزايد متعاطيها. فلم يعد عالم الشعوذة اليوم مقتصرا على الفئات المحرومة والجاهلة وغير المتعلمة فحسب، بل بات عالم للفئات المثقفة والمتعلمة، زبناؤه من الميسورين ومن الدبلوماسيين والمثقفين والباحثين والأطباء؛ وحتى من دارسي أصول الدين والفقه… وصار عالم الشعوذة والدجل يحقق اليوم أرقاما جد هامة في عالم المال، ويتزايد اتساع قاعدة زبنائه، بعدما استطاع إقناع الملايين من الناس بفعاليته وقدراته الخارقة، وبعدما صمدت ادعاءات محترفيه نديا أمام الخطابات العلمية، ومحاربة الدول للشعوذة عن الطريق التعليم ومحاربة الجهل والأمية، لكن الشعوذة بقيت سوقا مالية كبيرة تدر أموالا مهمة على مزاوليها. وتعد ممارسة السحر والشعوذة بالمغرب امتدادا لانتربولوجيا ثقافية وتاريخية، تطورت في المغرب حتى أصبحت مصدرا اقتصاديا وموردا للاغتناء السريع، بل وفرضت نفسها بقوة ضمن البنية الاقتصادية وتعايشت مع كل المجالات الاقتصادية، حتى أن عددا من التجار تخصصوا في بيع المواد الخاصة بعالم الشعوذة، ومنهم العطارين والمتخصصين في بيع الأعشاب الغريبة، والبخور وأعضاء الحيوانات الغريبة والناذرة حية ومحنطة، وبيع جلود الحيوانات، كل ذلك يباع بأثمنة باهظة على مرمى ومسمع من السلطة. ولقد تعوذت شريحة مهمة من المجتمع المغربي على زيارة الأضرحة للتبرك منها، وخاصة من شريحة النساء، واللجوء إلى العرافين والمشعوذين أملا في إيجاد حلول لمشاكلهم الاجتماعية والعائلية والاقتصادية والمرضية… ويكون لجوء النساء إلى الشعوذة في المغرب، فلأنهم الحلقة الأضعف في مجتمع ذكوري، فكلما أحست المرأة أنها مهددة في استقرارها العائلي، تلتجئ إلى أوهام العرافات والمشعوذين لاستعانة بهم لإبقاء على الزوج الذي يلوِّح لها بين الحين والآخر بالطلاق أو الزواج مرة ثانية. ويأتي ما ذكرناه منسجما وخصوصية قوة الاعتقاد الديني عند المغاربة بكرامات الأولياء والقدرات الخارقة لأناس بحكم شجرتهم الدينية. ومعلوم أن المغرب يعد بلد أولياء الله الصالحين وبلد الزوايا ومجمع الصوفية على مختلف مذاهبها، وهو ما يجعل المجتمع المغربي أو بالأحرى تنشئته الاجتماعية روحانية وصوفية تنهل من مرجعية القوى الخارقة لعدد من أولياء الله، والدين هم رجال متصوفة، ذاع تاريخيا صيت كراماتهم وقدراتهم لا يزال المغاربة يرددونها إلى اليوم. إن الشعوذة بالمغرب متجذرة بحكم طبيعة المجتمع المغربي الروحانية والتصوفية إذن، في بلد الأولياء، فمدينة الدار البيضاء؛ مدينة الاقتصاد والإدارة والأعمال بالمغرب تضم لوحداها على المستوى الحضري 73 ضريحًا، إضافة إلى 38 زاوية، وكل هذه الأماكن تعرف روجا وزيارات منظمة، وتُخَصص بطقوس خاصة ودقيقة. وإذا كان هذا هو الامتداد التاريخي التأصيلي للعمق الصوفي والديني والروحاني للمجتمع المغربي، فإن التنشئة الجماعية الشعبية والمؤسساتية تعمل على المحافظة على هذه الخصوصية مع تهذيبها من شوائب الشعوذة، إلا أنه ورغم ذلك لا يزال المغاربة يتماهون مع واقع الكرامات وقدرات بعض الأشخاص على القيام بأشياء خارقة، فكان لا بد وأن تنشأ إلى جانب هذا الوعي الثقافي مظاهر للشعوذة يلجأ إليها الناس معتقدين أنها قادرة على قضاء حوائجهم أو شفائهم من الأمراض المستعصية. ويجمع المغاربة على وضع تصانيف مشتركة للأمراض أو المشاكل التي تبثث فيها فعالية ولي صالح، ولذلك تجد أولياء يصنفون على أساس فعاليتهم في أمراض السرطان، الصرع، البرص… وأولياء صنفوا في خانة القبول في الزواج أو البيع والشراء، وأولياء صنفوا أنهم مفيدين في منح الأطفال للأسر التي تعذر عليها الإنجاب. فالولي “سيدي محمد” بالبيضاء مثلا، ويطلق عليه “مول الصبيان” أي يعطي الأطفال، تلجأ إليه النساء العاقرات الحالمات بالأمومة، اللواتي يئسنا من الأدوية الطبية لعلاج عقرهن. أما “مولاي بوشعيب الرداد” بمدينة الجديدة ويطلق عليه أيضا “عطاي لعزارة” أي يعطي الأطفال الذكور، فتتردد عليه النساء اللواتي لا ينجبن سوى الإناث، أملا في أن يلدن ذكرا لأزواجهن. سيدي عبد الرحمن “مول المجمر”، صاحب الموقد الطيني يستعمله المغاربة لطهي الطعام، ولإحراق البخور، ويقع قرب شاطئ عين الذئاب في الدار البيضاء له بناية (قبة) على أعلى مرتفع صخري وسط مياه البحر عند المد، يزرنه النساء أملا في العلاج من مشاكل شخصية أو أسرية، ولإبطال مفعول السحر من خلال التبخر عنده ببخار الرصاص المذاب. وتزور النساء عدد من الأماكن بسب غرابة موقعها أو بسبب شجرة غريبة عن المحيط المجالي بهذه الأماكن، ويعتقد أن هذه الأماكن الغريبة مكان تسكنه الجنية عائشة “قنديشة”، وتعتقد المغربيات أن هذه الجنية الجميلة تستدرج الرجال لتمارس معهم الجنس ثم تسكن في أجسادهم لتتزوجهم، ولذلك تحرص المغربيات على زيارة الشجرة الموجودة بالقرب من المكان الغريب، في طقوس شبيهة بتقديم القرابين لصاحبة هذه الشجرة “عيشة قنديشة” أو لصاحبها جن يعتقد أن اسمه شمهروش”، وتكون القرابين عبارة عن شموع وحصى السكر لدرء شريهما وجلبا لخيراتهما. وكثيرا ما تتواجد هذه الأضرحة والأشجار على شط البحر، كما هو الحال في مدينة الدار البيضاء شجرة “عيشة” وشجرة “شمهروش” وكما هو الحال عند شط البحر وبالضبط عند مصب أم نهر الربيع بمدينة أزمور جنوب مدينة الرباط العاصمة المغربية، حيث تزور النساء قبة ضريح “لالة عيش البحرية”، ويعتقد أن الدفينة تمنح السعد في زواج العانسات. ويختلف المؤرخون في تاريخ المنطقة فيما إذا كان المكان يضم دفينة أم أنه لا يعدوا أن يكون نوعا من التماهي مع شخصية عائشة قنديشة الأسطورية، ويميل أغلب العارفين بتاريخ المنطقة إلى التأويل الأخير لأن مكان الضريح ينسجم في كثير من المواصفات ومكان تواجد الجنية عائشة “قنديشة” في المخيال الشعبي المغربي. وعلى قدر تنوع المتعاطين للشعوذة يتنوع محترفو الشعوذة من الرجال كما النساء ولكل منهم منهاجه وطريقة في حل المشاكل والعلاج من الأمراض، لكن يمكن أن ندقق في تصنيف الأساليب، فمثلا إذا كان أسلوب قراءة القرآن أو ترديد التمتمات غير المفهومة خاصية المشعوذين من الرجال والذين يعقدون شبه جلسات لإخراج الجن من أجساد المصابين بالصرع، وهذه الجلسات تعتمد قراءة القرآن وقراءة التمائم، أو عقد جلسات للجذبة مصحوبة بموسقى “كناوة” ومرفوقة بترديد جمل ذات حمولة دلالية روحانية تذكر بكرامات وقدرات الأولياء الصالحين، وأن المصابين والمصابات يدخلون في حالات من الجذبة أو الحضرة الهستيريا حتى يسقطون فاقدي الوعي. ومن الرجال المشعوذون يعمدن إلى أسلوب “ضرب الخط”، و”كتابة الطلاسيم” أي الحروز، فإن العرافات من النساء يستعملن أساليب أخرى للتنبؤ بمستقبل السائلين، فمن “الشوافات” العرافات التي تعتمدن على إذابة “اللدون” (قطع من معدن الرصاص تذاب بنار خفيفة)، ثم تسكب في الماء لإبطال السحر وللتنبؤ حول مستقبل السائل، إلى اللواتي يعتمدن على أوراق اللعب ويسميهم المغاربة “ضَرَّابَات الْكَارْطَة”، إلى العرافات اللائي يعتمدن على بيضة الدجاج بقراءة الطالع، وعرافات “ضريب الرمل”… استطاع المشعوذون المغاربة أو «الفقها» على حد تعبير المغاربة تحقيق شهرة ذائعة الصيت في حل العديد من المشاكل، بدءا من الزواج والطلاق والعنوسة والعقم والأمراض وغيرها. وغدا “مكي الصخيرات” على سبيل المثال لا الحصر يقابل مرضاه في البلدان الأوربية المتقدمة. ويتوافد على “الشوافة الحسنية” (العرافة في اللهجة المغربية) بمنطقة اخميس الزمامرة إقليم الجديدة زبناء من الغرب والمشرق، يحرصون على زيارتها بانتظام مقابل عمولات مالية تقدم بالدولار واليورو. ويستمر الوضع في غياب تدخل صارم للسلطة رغم تسجيل حالات عدة من النصب واحتيال المشعوذين على زبنائهم، بل وتسجيل حالات وفاة إثر طقوس الصرع الذي يمارسها الفقهاء على رواده، ليبقى الوضع على ما هو عليه، لأسباب يعتبرها الباحثون أنها رغبة الفاعلين السياسيين والذين هم في نفس الوقت رجال أعمال وأصحاب مشاريع كبرى، يساهمون بشكل كبير في إنعاش هذا التفكير الشعبي من خلال دعمهم المالي وحضورهم أحيانا في المواسم والحفلات الشعبية التي تنشط فيها ممارسات من قبيل طلب “البركة” وقراءة الطالع، وكذا التقرب إلى “الأولياء وكتبة التمائم “الحروز. ويقف اليوم علماء الاجتماع في المغرب مشدوهين أمام تزايد أعداد المتعاطين للشعوذة والسحر، رغم ارتفاع نسب التعلم، ويزداد الوضع غرابة حين تجد رجال الدولة والأحزاب السياسية يستفتون المشعوذين حول مستقبلهم السياسي في الانتخابات التشريعية والجماعية كما حدث في الانتخابات السابقة، حين تفجرت أنباء عن لجوء بعض القادة السياسيين وموظفي الدولة البارزين للمشعوذين للاستشارة قبل اتخاذ القرار على أمل الحفاظ على مناصبهم ومواقعهم في التشكيل الحكومي والانتخابي، وهو ما يضعف فرضية الجهل والأمية أحد الأسباب الرئيسية في لجوء المغاربة لعالم السحر والشعوذة. ولذلك تبقى الكثير من التكهنات بخصوص تحليل تنامي الظاهرة غير منسجم على المعايير العلمية الدقيقة، إذ أنه حين كان الجميع يرجع الشعوذة إلى الأمية والجهل، فإنها استطاعت أن تحقق أرقاما قياسيا في معاملاتها، كما استطاعت توسيع قاعدتها. ففي الوقت الذي كانت الوسائل العلمية الحديثة تقف عاجزة أمام مشاكل وأمراض الناس، وتجيب العديدين منهم أنه لا أمل في حل لمشاكلهم ولا علاج لأمراضهم، أبقى عالم الشعوذة أبواب الأمل مفتوحا في وجه الناس، بادعائه أنه الأقدر على حل جميع المشاكل وعلاج كل الأمراض المستعصية، فصار متنفسا حقيقيا للأفراد من الطبقة الفقيرة الأمية ومن الطبقة الثرية المتعلمة، ولذلك تزايدت قاعدة عالم الشعوذة من المصابين بالأمراض المزمنة والمستعصية كالسرطان، حتى صرت تسمع أن مريضا قال له طبيبه إن حالتك ميؤوس منها، فتوجه إلى مشعوذ أو ساحر فوصف لهم وصفت هلامية، فتشافى تماما من علته. وتتعزز الدعاية الشعبية للمشعوذين بالادعاء أن الطب الحديث قد عجز عن فك ألغاز عدد من الأمراض النفسية والعضوية، وتأكيده على السلامة العضوية للمصابين، لكن مشعوذا استطاع بطرقه حل شفرة عدد من الأمراض المزمنة، فتحدث الركبان بكراماتهم وقدراتهم الخارقة، بل بات هؤلاء المشعوذون يسخرون من العلم والطب الحديث في الجلسات التي يعقدونها أمام العموم. وتساهم الظروف المادية والاجتماعية القاسية لعدد من الأسر المغربية إلى تعاطي الشعوذة في العلاج من الأمراض المستعصية ولتغيير وضعيتهم الاجتماعية إلى الأفضل، وذلك في غياب موارد مالية لتغطية مصاريف العلاج ومواجهة مصاعب الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا هو حال كل دول العالم العربي، حيث لوحظ ارتفاع عدد متتبعي القنوات التي تتحدث عن العلاجات من الأمراض النفسية والعضوية عبر الطب البديل أو الشعوذة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.