اسرائيل تخشى انتفاضة مصر والاردن

آخر تحديث : السبت 29 يناير 2011 - 5:38 مساءً
2011 01 28
2011 01 29

اسقاط النظام في تونس هو الذي أدى الى هرب الحاكم المطلق زين العابدين بن علي الى الخارج يوم الجمعة، 14 كانون الثاني (يناير) 2011، هو حدث غير مسبوق في العالم العربي. هذا العالم، الذي يتمثل بأنظمة الحكم الفردي، وان كان شهد في تاريخ قصير انقلابات عسكرية عديدة أسقطت الحاكم القائم ورفعت الى الحكم رجلا قويا بدلا منه، الا انه في تونس سقط، لاول مرة، نظام فردي كنتيجة لانتفاضة شعبية. يجدر بالذكر ان ظاهرة الانقلابات العسكرية تكاد تكون اختفت تماما في العقود الاخيرة كنتيجة لتعزز أجهزة الامن الداخلي، الارتفاع في حجم الجيوش، مما جعل من الصعب تنظيم انقلابات عسكرية وكذا كثرة وسائل الاعلام الجماهيرية. قائد كتيبة لم يعد بوسعه تنفيذ انقلاب من خلال السيطرة على محطة الاذاعة. النظام في تونس سقط نتيجة فقدان السيطرة على المظاهرات الجماهيرية التي بدأت عندما احرق خريج جامعي عاطل عن العمل، كان يعمل بائعا متجولا، نفسه بعد أن صادر افراد الشرطة عربته. سقوط النظام في تونس يثير حماسة الجماهير في العالم العربي، حيث يغترب الحكام بشكل عام عن الجماهير. في أماكن مختلفة في دول مختلفة في العالم العربي كانت مظاهرات تأييد للتغيير في تونس انطلقت فيها شعارات ضد الأنظمة في بلادهم، وبرزت على نحو خاص المظاهرات في مصر، الاردن، الجزائر وليبيا. في الثورة في تونس مثلما في المظاهرات في ايران قبل اكثر من سنة وجدت تعبيرا قوة وسائل الاعلام الجماهيرية ولا سيما برز الاستخدام التآمري للانترنت. فلم يعد للانظمة احتكار على وسائل الاتصال الجماهيرية والامر يجعل من الصعب عليها منع المعلومات والحفاظ على حكمها. استخدام الانترنت وجد تعبيره ايضا في موجة ردود الفعل في الدول العربية الاخرى. شكل سقوط النظام مثلما حصل في تونس يختلف عن السيناريوهات المعروفة من الماضي لسقوط انظمة في العالم العربي في انتفاضة شعبية. هذه السيناريوهات تنبأت بشكل عام بانتفاضة شعبية تقودها العناصر الاسلامية على خلفية تعزز قوة الحركة الاسلامية في العالم العربي. من هذه الناحية تونس شاذة وذلك لانها اجتازت عملية انتقال الى الحداثة وتنمية اقتصادية سريعة تحت حكم بن علي. وبالتوازي، فان بنية الحركة الاسلامية التحتية في تونس عالجها النظام بيد من حديد وما تبقى من زعمائها فروا الى الخارج. هكذا حصل بحيث أن الانتفاضة الشعبية كانت أساسا انتفاضة شباب ذوي ثقافة غربية، قادهم نشطاء المعارضة الديمقراطية. في واقع الامر كانت انتفاضة ذات البنية الاجتماعية التي اعتمد عليها النظام في مكافحته الحركات الاسلامية. وبالمقابل في البلدان العربية الاخرى، مثل مصر والاردن، ليس للمعارضة الديمقراطية تأثير كبير في المجتمعات المحلية، بينما توجد للحركات الاسلامية دائرة مؤيدين واسعة ونفوذ أكبر. رغم كل ذلك من الصعب توقع ماذا ستكون عليه نتائج انتخابات ديمقراطية في تونس بعد فترة بهذا الطول من حكم الفرد، الذي منع الجمهور من ابداء ميوله الحقيقية. صحيح أن زعيم الحركة الاسلامية المنفي صرح بان حركته لن تطرح مرشحا خاصا بها للرئاسة في الانتخابات المرتقبة، وذلك، على ما يبدو، بسبب معرفته بمصاعب بناء بنية تحتية سياسية للانتخابات في زمن قصير، ولكن الانتخابات للبرلمان يمكن أن تكشف ميولا اسلامية كانت كمينة في عهد النظام السابق، ولا سيما في المناطق القروية خارج المدن الكبرى. المعنى هو أن الانتخابات الحرة، اذا ما جرت بالفعل، يمكنها أن تخلق نموذجا لنظام ديمقراطي أو كبديل ان تمثل نجاحا لحركة اسلامية تسيطر على دولة عربية في انتخابات ديمقراطية. يبدو أن الردود المحتملة في العالم العربي يجب ان تفحص في مديين زمنيين. في المدى الزمني القصير: يحتمل أن تتعاظم المظاهرات وتعابير الاحتجاج في قسم من الدول العربية فتخلق وضعا تجد فيه الانظمة صعوبة في السيطرة عليها. هذا السيناريو محتمل أساسا في اوضاع تستخدم فيها الانظمة قدرا زائدا من القوة، فتتسبب في سفك دماء وردود فعل متسلسلة. في هذه المرحلة يبدو أن الانظمة في معظم الدول العربية ذات خبرة كبيرة في السيطرة على اوضاع الحماسة الجماهيرية وعليه فانها ستنجح في معالجة مثل هذه الاحداث وخلق هدوء. السؤال الاصعب هو ماذا سيكون تأثير هذه الانتفاضة على الدول العربية الاخرى في المدى الزمني الابعد؟ الجواب معلق ايضا بالتطورات في تونس. اذا ما جرت الانتخابات في تونس في سياق مرتب وتشكلت في نهايته حكومة ذات توجه غربي تنجح في ايجاد نظام ديمقراطي، سيكون هذا نموذجا للاقتداء سيؤثر ايضا على المجتمعات في الدول العربية الاخرى ومكانة المعارضة الديمقراطية فيها. سيناريوهان آخران سيناريو الفوضى وانعدام قدرة المعارضة الديمقراطية على تشكيل حكومة مستقرة وسيناريو تصعد فيه الحركة الاسلامية الى الحكم بالطريق الديمقراطي سيوفران تشجيعا كبيرا لموجة التحول الاسلامي المتصاعدة في العالم العربية، وسيعززان مكانة الحركات الاسلامية بل وسيشجعانها على اتخاذ خطوات ملموسة لاحداث انقلاب على الانظمة. نموذج الثورة من خلال الانتفاضة الشعبية ستدرسه حركات المعارضة المختلفة، وستتطلع الى محاكاته. ولكن، يجب الاخذ بالحسبان بان هناك فوارق بين المجتمعات العربية المختلفة. ففي تونس مثلا، ذات السكان القليلين نسبيا، والذين معظمهم يتمتعون بتعليم غربي، تختلف عن مصر او الجزائر ذات الاعداد السكانية الهائلة. كما أن الامر منوط بقدر كبير بمدى تصميم النظام على الحفاظ على حكمه وبمدى قدرته على بناء أجهزة أمن وشرائح سكانية ذات مصلحة بوجود النظام. أمام كل من يفكر بتحريك انتفاضة شعبية سيكون هناك نموذجان: النموذج الناجح، على الاقل في المدى الزمني القصير لتونس وفشل المظاهرات الجماهيرية في ايران في 2009، والتي قمعت بتصميم على يد النظام الاسلامي الايراني. يمكن الافتراض بان كل نظام يرغب في قمع الانتفاضة الشعبية في بدايتها سيقف امام معضلة حول الحقنة السليمة من استخدام القوة. فمن جهة، استخدام قدر اكبر مما ينبغي من القوة في بداية المظاهرات من شأنه أن يخلق رد فعل مضادا يؤدي الى انتفاضة اوسع. من جهة اخرى، فان رد فعل يُنظر اليه كواهٍ من شأنه ان يبث الانطباع بعدم تصميم النظام وتشجيع المنتفضين. على اسرائيل أن تكون قلقة اساسا من التطورات لدى جيرانها القريبين، مصر والاردن. مصر تعيش منذ زمن في اجواء صمت النظام الحالي بسبب عمر الرئيس مبارك، حالته الصحية وانعدام اليقين بشأن خليفته. صحيح أن مبارك يحاول اعداد نجله، جمال،كخليفة، الا ان لهذه الفكرة معارضة شديدة في مصر. ولكن النظام في مصر نجح في بناء اجهزة امن ناجعة ونخبة واسعة لها مصلحة في استمرار النظام وهي تضم كل هيئات الامن، بما فيها الجيش. في الاردن ايضا، الذي يوجد في ازمة اقتصادية مستمرة، يوجد هياج أصله في التوتر الذي بين السكان من اصل شرقي الاردن وبين اولئك الذين من اصل فلسطيني، وكذا في التأييد الذي لا بأس به للاخوان المسلمين، وكذا في عدم رضى عناصر في قبائل شرقي الاردن الذين يشعرون بانهم يدحرون الى الهوامش. يبدو أن النظامين مستقرين في المدى الزمني القصير ولكن ثمة مجال للقلق بالنسبة لما هو متوقع في المدى الزمني الابعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.