الحسناوي خالد من هولندا يكتب.. يوميات نونجا في مدرسة بشبذان!

آخر تحديث : الخميس 8 مارس 2018 - 7:46 مساءً
2018 03 06
2018 03 08

الحسناوي خالد من هولندا يكتب عن حكاية من ذاكرة الريف الجماعية

يوميات نونجا في مدرسة بشبذان!

… وانا امشي … وانا امشي في اتجاه مدرستي اين قضيت دراستي في المراحل الإبتدائية، سمعت نفس الصراخ ونفس الاصوات التي كنت قد سمعتها مرارا وتكرارا وانا أعبر الوادي. شكل هذا الوادي قد تغير كثيرا حيث تم جرف تربته واحجاره ورماله نحو البحر وكأن تساقط الامطار هو الذي ساهم في هذه التعرية رغم ان الوادي يعرف جفافا لعقود مضت.

تلك الاصوات كانت غريبة لا تشبه صوت الانسان ولا صوت الحيوان، انها اصوات الاشجار والرمال والاحجار. اشجار الصبار والتين والزيتون حيث تصيح وتصرخ وكأنها تغرق في قاع البحر حين تنادي ب: “النجدة… النجدة …الهجرة … الهجرة … الى ما وراء البحار … فلا استطاعة لنا للصمود ولا للمقاومة… نريد الهجرة … لربما نجد الراحة والاستراحة…”

وانا امشي واقترب من مدرستي واذا بي ارى فتاة بوزرة بيضاء وهي في حوار مع امام مسجد الحي. اعتقدت في الوهلة الاولى انه لقاء بين المعلم والامام. يتحدثون وكالعادة حول هموم الحي بكل هدوء واحترام. اقتربت منهما فتاكدت انهم في نقاش حاد. ثم تمعنت النظر فلم تصدق عيناي ما رأت ولم اصدق ما شاهدت. بدات اطرح تساؤلات على نفسي: ” اهي فعلا نونجا…؟ متى عادت؟ لماذا لم يسمع سكان شبذان بان نونجا عادت الينا لتحكي حكاياتها؟ أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي وانا استعد للاقتراب منهم ومشاركتهم الموضوع. هي فعلا نونجا، عينان مليئتان بدموع حمراء، وكانها تسيل دما، يشبه تراب شبذان الشامخ. اشواك تضر قدميها الحافيتين، تمسح الدموع من عينيها بيد، والدم من رجليها بيد اخرى، وهي في نفس الوقت في نقاش حاد مع امام حيها. رايتها تهرول، ثم تمشي في اتجاه الاسوار الخلفية والامامية للمدرسة ثم تعود الى الإمام. تبتسم ثم تضحك حينما رات ان اسوار المدرسة الامامية قد زينت باحلى الوان قوس قزح والوان الجد والفرح. ثم تراها فجأة تبكي وهي غاضبة على اهمال اسوار حجرتها الخلفية وهي تتقادم وتواجه مشكلة الانهيار والاندثار. اما عندما اطلت من نافذة حجرة من حجرات الاقسام الخلفية ازدادت نونجا غضبا وحزنا، خاصة عندما رأت طاولتها ومقعدها و سبورة ومتحف قسمها وهي صامدة في نفس الحجرة ونفس المكان وكانها تعيد عجلة التاريخ الى ايام العهد الجميل.

عادت نونجا مهرولة الى امام مسجد الحي ثم بدات تطرح تساؤلاتها المثيرة: ” ألا ترى كيف اصبح الحجر يبكي ويستغيث؟ ألم تر ان التين والزيتون والرمان يبكي؟ الم تسمع اصوات الوادي والرمال والاحجار وهي تستغيث؟ الم تسمع يا إمام الحي رنات ودقات قلوب اشجار التين والبرتقال والزيتون والصبار وهي تدق بسرعة الصوت خوفا وحزنا؟ هي اصوات تنادي بالنجدة، تطالب بالبناء وعدم جر التراب والرمال والاشجار والاحجار و … و …. الى البحار فيتم الاهمال ويتحقق الاندثار. اسوار المدرسة بالية، فرغم صباغتها باحسن وألمع انواع الصباغة الموجودة في البلدة الا انها تشكو بوشك الانهيار و الاندثار بسبب التقادم والاهمال.

كنا ايام نونجا واهنيا ويوبا نتلقى دروس اللغة العربية بواسطة اللغة الامازيغية. كانت لغة مقصية قانونا لكنها كانت تعمل وتواصل مهمتها في البناء وايصال الرسالة على احسن حال. كان الامام يساعدنا على الفهم، كان يشرح ويبين لماذا هذا وذاك، وكيف هذا وذاك. كان الامام يبدع في عملية التدريس والتعليم. فتسمعه يقول: ” الف ورناقذ …. الباء اشت سوادي …. التاء اثنين سانج ….”

هكذا كانت اللغة الامازيغية تساعد اللغة العربية على الانتشار رغم ان الاخيرة كانت تحاول اقصاءها من الساحة. كان الامام يهتم بالمضمون في كتاباته اكثر منه اهتماما بالشكل. بقيت الاحجار و الاشجار في مكانها وعلى شكلها. اما اليوم فان نونجا ترى ان الاعتماد على تغيير الشكل ساهم في تعرية الوادي، فتم اخذ احجاره ورماله كما تؤخذ اسماك البحار وثمار الاشجار وتباع في اسواق بعيدة عن مدرسة نونحا باثمان تستثمر في اسوار العمارات والفيلات وتزيينها باشجار مثمرة ومسابح وراء اسوار سرية للتسلية والاستراحة. اما مدرسة نونجا فهي لا تستفيد من نصيبها سوى شيء من الصباغة والالوان التي تتلاشى كلما سقطت الامطار في فصل الشتاء. مدرسة نونجا لم تستفد بحصتها، لم تستفد بثمار اشجارها وبذور مزارعها واحجار وديانها، رغم ان الاحجار احجارها والاشجار اشجارها والرمال رمالها والبذور بذورها.

هرولت نونجا مرة بل مرات نحو امام مسجد الحي فتقول: ” الم تر ان في الحي خرابا؟ و ان المدرسة واسوارها وساحاتها اصبحت اطلالا؟

لماذا لم تقل لهم كفى فلربما يتم استغلال الرمل و الحجر من اجل بناء مدرسة نونجا ويوبا واهنيا ويتم المقر المستقر؟ لماذا يتم انتظار الباخرة من وراء البحار لتقوم بتغطية اخطاء قام بها قطار من امام نفس البحار؟ اليست لك مهمة الارشاد يا إمام الحي؟ فارشد و حاول ارشادهم لعلهم يتقون.

يا إمام الحي، ألم تر ان الحي اصبح اطلالا، وأن الوديان عرتها جرافات وجرارات الاشباح و الجن المسعور، فأخذت الرمال و الأحجار؟ الم تر، يا امام الحي، أن أوراق الأشجار قد رفرفت و طارت صحبة العصافير بسبب رياح عاصفية لا شرقية ولا غربية ولا شمالية ولا جنوبية؟ الم تسمع أن هذه الأوراق هي التي أعطت القسم برب العزة أنها لن تعود لاغصانها في الوقت الآني؟ أو لم تعلم أن اوأوراق تلك الأشجار مفيدة لاستنشاق الهواء الرطب في بستان حيي وفي بستانك من وراء سور بيتك؟ ألم تر أن أشجار الزيتون لم تعد تعطي لا نواة ولا حبا ولا زيتونا ولا زيتا؟”

نظر الإمام إلى نونجا بنظرات استفهامية، وكأنها تحمل في طياتها أسرارا لا يستطيع إفشاؤها، ثم قال: “لقد استغرق موسم فصل الخريف مدة طويلة. فجفت الوديان وعجزت الأشجار على الإتيان. فلم نعد نفرق فيه بين فصول السنة الأربعة، بسبب طول مدة الجفاف. نطلب من الله العلي القدير ان يغيثنا بتساقطات أمطار الخير من خلال صلاة الإستسقاء راجيا منه تعالى أن يسعد بها وجوه أبناء الحي إن شاء الله”

حين سمعت نونجا كلام الإمام حول الجفاف، بدأت في حوار لها معه، في شكل أطروحات دون ان تنتظر منه إجابات. فنونجا تعلم جيدا أن إمام الحي لا يستطيع الإجابة و التعبير في واضح النهار.

أغصان الأشجار مليئة بالاشواك، بعد ان كانت هذه الأشجار تنبت ثمارا تعود بالنفع على اطفال الحي. ففي طريق عودتهم من مدرسة الحي إلى البيت، تراهم يتسلقون أغصان الأشجار، فيقطفون ثمرة التين أو الرمان أو العنب. فيتمتع الطفل بنكهة تلك الثمرة التي غرسها الجد فالجد. فأجدادنا كانوا يعانون، كذالك، بمخلفات الجفاف، لكن رغم ذالك كانت الأشجار مثمرة وكان جو الحي رطبا، و رائحة الأزهار والأنوار تنتشر في سماء وأجواء الحي فتزغرد العصافير ويفرح معها حتى اليتيم.

أشجار التين والرمان والزيتون والعنب والتفاح وحتى أشجار الصبار والخروب أصبحت تشكو بسوء المعاملة وليس بمخلفات الجفاف. فهي أشجار تستطيع الصمود والمواجهة. وهي بالتالي أشجار ذكر اسمها مرارا في القران الكريم لما لها من أهمية قصوى، وجب على الراعي الاهتمام بها ورعايتها.

جلس إمام الحي على شرفة رصيف بجانب المسجد وفي يده اليمنى فنجان شاي لذيذ نكهته، يتابع بهدوء تام صرخات نونجا وغضبتها ورد فعلها على سوء حال حيها. فمن خلال ملامح وجه الإمام يظهر وكأنه تأثر بصرخة نونجا وحركاتها المسؤولة. فاقترب الإمام من نونجا وحاول تهدءتها لكن دون جدوى. فسألها ، سؤالا استنكاريا، عن اسمها. رغم ان الإمام يعرف جيدا بطاقة هويتها، إلا أنه كان يرمي من وراء ذالك إخراج الحوار عن محتوى فحواه.

ردت نونجا عن السؤال ردا قويا بوابل من المفردات تخفي في طياتها معنى ومغزى هامين: ” … أنا … من أنا؟ أنا الوادي ورماله واحجاره، أنا الأرض وتربتها، أنا الأشجار بكل أنواعها ، أنا الثمار، أنا الأغصان ، أنا الأوراق. … أنا … من أنا؟ أنا كل شيء في هذا الميدان، يا فخامة الإمام، يا من يريد كسب قلب الإنسان. أنا المشكل والحل، أنا الشر والخير، أنا الظلم والعدل، أنا كل شيء، يا فخامة الإمام. فكيف تسأل عن من أنا، وأنت تعرف من أنا وتجهل من أنت؟ فأنا الماضي و الحاضر والمستقبل”.

استحضرت نونجا ماضيها بكل إيجابياته لتبين للإمام أن حالة الحي مريضة وعجلة التنمية موقوفة و أن الجفاف لا يمكن ان يكون ذريعة.

نونجا الماضي، حين كانت تستيقظ باكرا في كل يوم الأربعاء، يوم السوق والتسوق، حيث كانت واثقة بأن سلة الأسبوع ستعود مليئة و بكل أنواع و مستلزمات المطبخ والبيت عكس الأطفال الذين يحزنون يوم هذا العيد الاسبوعي، نظرا لفراغ سلتهم من محتواها. فكلما سمعت نونجا مثل هذه الروايات الا وتألمت وحزنت لعدم قدرتها على مساعدة هؤلاء الاطفال.

نونجا الماضي حين كانت تستنشق الهواء الطلق الصافي، وتلعب مع أطفال الحي مختلف الألعاب، تنشط وتمرح وتذهب إلى البيت وهي سعيدة في انتظار فرحة اليوم المقبل.

نونجا الماضي حين تستيقظ من النوم فتتوضأ وتصلي وتلبس أجمل بذلة لها، فتشرب كأس شاي أو كأسين بنكهة النعناع او الشيبة، وتتناول رغيف خبز مزيت بزيت زيتون البلد أو تأكل بعض حبات الزيتون. كما انها كانت تأخذ رغيف خبز مقلي في زيت عادية، ثم تنطلق نحو المدرسة صحبة صديقاتها. كانت المسافة قصيرة بين بيت نونجا ومدرسة الحي. إلا ان المسافة في اليوم الحاضر تظهر وكأنها طويلة، رغم أن بيت نونجا ومدرستها لا زالتا في مكانهما. ربما لسبب انشقاق الأرض فتوسع عرض الوادي.

نونجا الماضي عندما كانت تسعد إمام الحي يوم الثلاثاء باعطاءه درهما او إثنين أو بيضة أو إثنين، كاستعداد رمزي ليومه الأربعاء. يوم الأربعاء هو يوم سوق الحي في شبذان. كانت نونجا، ومعها كل أطفال الحي، ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر. فهو يوم السوق والتسوق. يفرح فيه الأطفال ويعتبرونه كيوم عيد الفطر او الأضحى. تفرح فيه العائلات حيث تنتظر عودة الأب أو الاخ الأكبر من السوق ومعه سلة مليئة بكل أنواع الخضر والفواكه وسمك السردين أو غيره من أنواع السمك المعروفة في الحي، ولحم دجاج أو لحم بقر أو لحم خروف.

نونجا الماضي حين يلتقي كل سكان الحي في السوق وهم يجتمعون ويتسوقون ويتحدثون عن مشاكل العمل، من فلاحة وصيد بحري وتجارة ورعي وسقي، وعن أخبار الأحباب من وراء البحار. كما يعتبر يوم الأربعاء يوم الفرحة بالنسبة للعمال الذين اشتغلوا لمدة هذا الأسبوع حيث يتوصلون باجرهم من قبل رب العمل في هذا اليوم بالذات. وهي بالتالي مناسبة لقضاء حاجيات البيت والمطبخ، وفرصة للإطلاع على أحوال سكان شبذان وغير هم.

حين تعود نونجا من المدرسة الى البيت، يوم الأربعاء، بعد قضاء ساعات التعلم، تجد مائدة الغذاء ملونة بنوع آخر من الاكلات ذات نكهة أخرى. أما أكلة السردين و شهيته فهي الأكلة المفضلة لديها في تلك الأوقات.

لم تكن تعتقد نونجا أن كلمة “الأربعاء” تطلق على يوم من أيام الاسبوع، لأنها كانت تسمع من أخيها و أبيها وكل من يريد التسوق عبارة:” سأذهب الى الأربعاء …”. “اذرحغ غار لاربع…” حيث كانت تفهم ان الكلمة تعبر عن المكان غير الزمان. نونجا الماضي حين كانت تستيقظ باكرا بسبب ضجيج المارة المتسوقين على الدواب، فتعلم بأن ذالك اليوم هو يوم الفرح والسرور والبهحة. فتستيقظ باكرا من جراء ضحيج كلام المارة ونهيق الحمير وهم في طريقهم الى سوق القبيلة. يقطع بعض المتسوقين مسافة أكثر من عشر كيلومترات للذهاب إلى سوق يوم الأربعاء بشبذان لما له من أهمية كبرى في إقليم الناظور. كل الطرق المؤدية إلى سوق أربعاء شبذان مكتظة بصفوف دواب المتسوقين. اما السيارات فهي شبه منعدمة! حين يصل المتسوق إلى السوق فإن أول ما يقوم به هو ربط دابته بحبل في مكان مخصص للدواب، ثم يذهب لقضاء مستلزماته.

كانت الدواب تفرح كذالك ليوم الأربعاء، كفرحة نونجا، لأن في هذا اليوم تتعارف الدواب فيما بينها وتعقد علاقات غرامية وحميمية قبل فراق العشاق لينتظروا أسبوعا آخر للقاء آخر وإبرام عقد آخر. حظور الدواب كان لازما بكلا الجنسين. عكس المتسوقين الذين كانو فقط من جنس واحد. قليلا ما ترى حظور المرأة العجوز مراحل التسوق، حيث تتكيف مع المحيط وتدبر شؤون البيت بشقيها الداخلي والخارجي.

نونجا الماضي، وهي توجه خطابها لإمام الحي راجيا منه أن يسرع في إنقاذ ما يمكن إنقاذه بخطوة مسؤولة وجريئة تعيد الفرح والسرور الى أهلها وقلوب أطفال حيها.

نونجا الماضي حين كان فصل الربيع يضحك ويبتسم، و تستقبل الأشجار بأوراقها و ازهارها كل أصناف الطيور والعصافير. عصافير تزغرد وتنتقل من غصن لآخر ومن شجرة لأخرى فرحانا بقدوم هذا الفصل الفريد من نوعه. أطفال آخرون يحاولون في آخر يوم الأسبوع إلقاء القبض على العصافير بكل الطرق المتاحة، بل كان الطفل يبدع في خلق وصنع فخ لإلقاء القبض على غنيمته.

نونجا الماضي حين ينبعث الدخان من كل ركن من أركان ساحات دوار شبذان، وكأن النار قد أتت على كل محاصيل الفلاخين. هو دخان من نوع آخر و لا يستدعي إبلاغ رجال المطافيء الأشباح. فنساء شبذان الحرائر هن اللاتي يشعلن نار الدفيء، منشغلات بمهمة طهي الخبز اللذيذ، حيث تنتشر رائحته ونكهته اللذيذة نحو سماء كل مداشير شبذان الكبير.

نونجا الماضي حين كان راعي وراعيات الأغنام يقومون بتسيير أمور القطيع وإيجاد ملاذ آمن و مؤونة كافية لسد رمق كل نعجة ومعزة. فكانت نونجا تسمع راعيات الأغنام يتواصلن بطريقة خاصة. فتسمع كلاما فيه رنات موسيقية وتعابير شعرية ولحنا معبرا عن مدح او ذم بايقاعاته المتميزة. فتسمع مشادات كلامية برنات جمل متسلسلة وقافيات تعطي للنص صوتا موسيقيا يجذب الأسماع. اما نونجا فكانت محظوظة ومن الفتيات القلائل اللاتي يذهبن الى المدرسة.

نونجا الماضي حين كان الأطفال يستمتعون بازهار الأشجار والنباتات، وزغاريد العصافير والطيور، حيث كانت تسكن في البساتين و في الأشجار المثمرة منها وغير المثمرة.

اما نونجا المضارع ونونجا الحاضر، فهو مضارع الغضب والحزن، و حاضر التمرد والعصيان. فكيف لنونجا ان تسكت على حالة حيها وقد أصبحت أشجار بستانها غير مثمرة، ووديان حيها غارقة في الأوحال، وعيون البحر تفيض بامواج من الدموع، حزينة على أسماك تصلي صلاة الجنازة في ظلام كل ليلة، دون استقبال القبلة، وبدون كفن ولا مقبرة؟ كيف لنونجا ان تسكت على حالة يرثى لها، وقد أبرمت عقد الثقة مع اجدادها للحفاظ على بساتينهم؟ والأجداد هم السلف الذي هاجر من أجل تثقيف الخلف وبناء القرية والمدينة. وكيف يمكن لنونحا السكوت على هذه الحالة المزرية وهي ترى دودة القز تنتشر في أغصان الأشجار وتنشر خرابا. والجراثيم بكل أنواعها تغزوا وتأكل من تلك الأغصان فيتم تجريدها من أوراقها وتفتك جذوعها وجذورها؟ وكيف يمكن لنونجا ان تسكت وهي ترى ازهارا يتم قطفها قبل أن تعطي ثمارا؟ و ترى امطارا طوفانية تجرف اشجارا جذوعها و وديانا رمالها واحجارها رغم حالة الجفاف التي تعرفها؟

وقف إمام الحي فجأة وقال لنونجا بصوت مرتفع: “ما هذا الهراء؟ ولماذا كل هذا اللوم؟ ألا تعلمين أن جماعة الحي هي التي اختارتني للصلح بين الناس، ونشر ثقافة التسامح والمسامحة وثقافة غط البصر وعدم الفضح مع أخذ الحذر؟ كما أن مهمتي تقتصر على غسل الميت والصلاة عليه والسهر على عملية الدفن وترتيل بعض سور القرآن. فلا وقت لي لأهتم بكل ما تفضلت به في الآن. هناك ثلة من الجماعة تخبرني ببعض أخبار الحي والبعض الآخر يأتيني يوم السوق في الأربعاء. فأنا أرى كل شيء رغم أني لا أرى كل شيء”.

قالت نونجا وهي غاضبة: “… نعم أنا المستقبل الرهين بالماضي والحاضر. فكيف يمكن، يا إمام الحي، ان ترى كل شيء بأعين جماعة تتدعي بما ليس فيها، وما ليس عليها حيث كذبتها الآن شواهد الإمتحان؟ أليس الأجدر بك، يا إمام الحي، أن تعتمد على الأطباء المختصين الذين يركزون في التحليل على تشخيص الداء لمعرفة الدواء قبل عملية العلاج؟”.

فالطبيب هو المدرسة التي ستكون الجيل المسؤول الذي سيغرس اشجارا أخرى ويبني سدودا للحد من التصحر و التعرية. الطبيب هو المدرسة التي ستلقن الاجيال دروسا في عملية تحمل المسؤولية. لم تكتف نونجا بهذا الحد بل واصلت تساؤلاتها وتعجبها فقالت: “الاعتناء باشجار الحي يقتضي بناء هذه المدرسة التي بجوارنا وكل مدارس البلد، بناء حقيقيا وهيكلتها هيكلة حقيقية. ونفس البناء والهيكلة يحتاجه هذا المسجد وكل مساجد البلد. حينها ستصبح أشجار الحي مثمرة، وتستعيد الوديان رمالها واحجارها لبناء مدارس جديدة في الحي وفي احياء اخرى ليتم بناء الإنسان. اكتسب العقل، يا إمام الحي، فاكتساب العقل أفضل بكثير من اكتساب القلب والعاطفة”.

دخل الإمام بفنجان الشاي إلى المسجد منحنيا وكأنه استوعب رسالة نونجا شكلا ومضمونا. فاذا بصوت الإمام يسمع من قمة منارة المسجد، مؤذنا لاداء صلاة العصر، ومناديا لحظور صلاة الجنازة.

دمعت عيون نونجا بدموع الحزن والاسى لعدم استطاعة الإمام إعطاء أي اجابة واضحة لما يحصل في بستان الحي. فتسلقت نونجا نحو أعلى شجرة الزقوم أمام مسجد ومدرسة الحي فصارت شبحا لا يرى، لكنها صوتا يسمع ويحتذى: “سأبقى هنا لأشهد الحقيقة و اقول الحقيقة و أتابع مآل بستان حيي وخيرات قبيلتي في زمن الجفاف المفتعل. سأبقى أفضح … وأسأل … وأكتب …، حتى تعود المياه الى مجاريها فيفرح الطفل في كل أيام الأسبوع، ويقرأ يوميات نونجا في مدرسة بشبذان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات6 تعليقات

  • تحية متبادلة اخي الكبداني.

  • لقد عدت بنا إلى الزمن الجميل بمدارسنا بشبذان تحية ليك

  • oh mon dieu vous Etes cachée ou toute cette période qu’on à pas vu de votre nouvelles Mr el hassnaoui

  • شكرا لكم على التشجيع…يزيد لي اصرارا على المواصلة…
    تحياتي

  • السلام عليكم

    نونجا في مدرسة بشبذان ..“اذرحغ غار لاربع…” ( إبداع ) .. آه يا سلام على الموضوع و ياسلام عليك .. إبداع مميز شكلا ومضمونا.
    تحياتي لك

  • نعم لقد لمست الجرح العميق في هذه القصة الجميلة معبرا فيها عن مرارة العيش في الوطن الجريح والتهجير القصري للشباب ما وراء البحر من خلال المعنات المتركمة في شتى المجالات بالاخص الاقتصادية بعدم تكافؤ الفرص شكرا لك جزيلا على هذه الاسطر الناذرة والقيمة بالنسبة لي لقد عودنا رشيد محي الكتابة عن هذه القصص الجميلة ولكن غاب عنا منذ مدة من ذا المنبر اقول له اشتقنا الى رواياتك الجميلة