حراك مغربي بطعم الحب للوطن

آخر تحديث : السبت 27 يناير 2018 - 5:57 مساءً
2018 01 27
2018 01 27
أحمد الجبلي
أحمد الجبلي

إن ما وقع في حراك الريف، وما يقع في جرادة وتندرارة وغيرها من المدن والقرى المغربية، ليفرض علينا الكثير من التأمل والنظر في واقع الحال والخوف من المآل الذي يؤدي إليه لصول المال وأصحاب الحال.

عندما تتبعت حملة تسجيل الشباب المغربي بجامعات أوربا منها على الخصوص الفرنسية والبلجيكية، حصلت على معلومات آلمتني كثيرا، والتي كشفت عن ذكاء حكومات الآخرين، وغباء وظلم حكوماتنا الوطنية.

ما كان لفرنسا ولا لغيرها من الدول الأوربية أن تفتح باب جامعاتها في وجه شبابنا الجامعي والمجاز من أجل سواد عيوننا، ولا حبا فيهم وفينا، بل لأنها كانت تعلم أن خمسة في المائة فقط هم من سيحضون بكل الفرص لإتمام الدراسة والحصول على شواهد عليا، وبالتالي الحصول على وظائف راقية مشرفة تنسجم مع ما يستحقه الشباب المغربي الرائع. ولكن خمس وتسعون في المائة من هؤلاء الشباب سيملأون الفراغ الذي تريده فرنسا أن يُمْلَأَ، أي سيشتغلون في المقاهي والمطاعم وينظفون الصحون وزجاج العمارات، أي أن فرنسا حددت مسبقا وبذكاء معايير المهاجرين الذين تريدهم كي يسدوا الخصاص من حيث اليد العاملة وفي وظائف غالبا ما ينظر إليها المواطن الفرنسي على أنها حقيرة ودونية، لقد نجحت فرنسا في جلب خيرة الشباب المغربي الجامعي المتمدرس الذي يتقن اللغة ولن يجد صعوبة في الاندماج في المجتمع الفرنسي، كما يحسن اللباس تماما كما يلبس الفرنسيون أو أفضل، أي لقد قضت فرنسا بهذه الخطة على هجرة البدو من ذوي الجلابيب والعمائم، الذين لا يتصفون بأي معيار من معايير حسن الاندماج في مجتمع فولتير وعلى رأس تلك المعايير اللغة. إن دولتنا تنفق على كل تلميذ منذ أن يلتحق بالدراسة إلى أن يحصل على شهادة الإجازة أزيد من 300 ألف درهم، فهو مثل النبتة الصغيرة التي تعمل الدولة على رعايتها وسقيها وتوفير المناخ المناسب لها، ولكن عندما يأتي وقت جني الثمار تأتي دولة أجنبية لتقوم بذلك بدلا عن دولتنا.

ربما لسنا الدولة الوحيدة التي تفشل في استثمار أبنائها وأطرها والقيام بدمجهم في مشاريع التنمية وسوق الشغل، لأن هذا العجز أصبح يعتبر خصيصة من خصائص الدول المتخلفة حتى ولو كانت تعيش في الظاهر استقرارا سياسيا واقتصاديا، ونحن نريد من بلادنا أن تستفيد مما وقع في دول شقيقة عندما قامت بتهميش أطرها وشبابها، وأن هذا التهميش كان أحد العوامل والدوافع إلى الانتقام والالتحاق بالإرهاب أو خدمة لأجندات عدوانية.

إن مصر، على سبيل المثال، عندما نهجت سياسة إطلاق العنان للبطالة وتهميش أبنائها وكوادرها..كانت هذه السياسة أكبر دافع لهؤلاء الشباب للبحث عن لقمة العيش بأي طريقة كانت، وهذا ما وقع للشاب طارق عبد الرازق الذي أصبح يعتبر نموذج الشاب البطالي المهمش الذي تنكرت له بلاده فسعى سعيه في كل أنحاء العالم باحثا عن أي لقمة يعيش بها، فراسل الكثير من المواقع العالمية بحثا عن شغل، ومن هذه المواقع موقع المخابرات الإسرائيلية. وما كانت إسرائيل لتدع هذه الفرصة تضيع من يديها، حيث بعثوا له من يقابله ليقترح عليه عملا وشغلا يجني من ورائه الكثير، ومن ذكاء الصهاينة، بما أنهم علموا أن هذا الإنسان العربي المثقف بطالي وليس معه مال وأن وطنه تخلى عنه، دفعوا له دُفُعات أولية بالدولار، اتفقوا معه على أن يكون جاسوسا لهم، فكانت أعظم وأخطر مهمة يقوم بها، بعدما أسسوا له موقعين عالميين خاصين بالوظائف والعمل وبأصحاب الشواهد العليا، وهكذا راح طارق عبد الرازق يجلب أبناء بلده من ذوي الشواهد العليا والباحثين عن عمل، فجمع لإسرائيل الكثير من السِّيَرِ العلمية للكثير من أبناء مصر خصوصا، وبعض أبناء الوطن العربي. وطبعا كان هذان الموقعان آليتين لجلب جواسيس يمارسون الخيانة على أوطانهم ويجمعون المعلومات عن كل تحرك يقع في الداخل، وعن كل الشركات والإنتاجات والتقدمات والتأخرات التي تعرفها البلاد.

إن عدم العمل وعدم الحصول على وظيفة يعتبر بابا من خلاله يدخل الأعداء، أعداء الوطن، لكونهم يعرفون بأن الفقر كاد يكون كفرا ليس كفرا بالوطن فحسب، بل قد يؤدي إلى الكفر بالله تعالى أيضا. وكثير من المسلمين باعوا دينهم بديانات خاطئة محرفة لأن الفقر لم يترك لهم سبيلا ولا خيارا، خصوصا عندما يكون هؤلاء من أمثال طارق عبد الرازق من ذوي النفوس المريضة والضعيفة، التي قويت فقط على أن تبيع وطنها بدولارات زائلة من عدو يعد العدو الاستراتيجي للأمة، بل يعد أخطر عدو في الوجود، وإن كانت إدانتنا لما فعله طارق عبد الرازق شديدة، على اعتبار أن خيانة الوطن لا تجوز مهما كان الوضع ومهما كانت المعاناة في الداخل، ولكن في نفس الوقت نقول: إن أي وطن عربي يتحمل كل الوزر عندما يتخلى عن أبنائه ويتركهم عرضة لخطر الفقر وغول البطالة الذي لا يرحم. خصوصا عندما يكون هؤلاء الشباب المواطنين من حاملي شهادات عليا لم يستفيدوا منها شيئا، حتى أن بعض الشباب في بلادي عملوا على حرق شواهدهم تعبيرا منهم بأنها لا تغني ولا تسمن من جوع، بل هي مجرد أوراق لا تختلف في شيء عن باقي الأوراق التي نجدها مرمية في قارعة الطريق.

إن مصر، كنموذج لأي بلد عربي، قد أغرقت نفسها بنفسها في مستنقع الأعداء عندما قدمت لهم شبابها لقمة سائغة بالفقر والتجويع والتهميش والإقصاء من سوق الشغل، فاستغلها الأعداء أيما استغلال لضرب أمن الدولة وضرب المصالح الاستراتيجية والأركان التي تجعل أمة مصر واقفة على قدميها. وكأن هؤلاء الشباب يعدون بحق هم الأقدام التي تقف عليها كل دولة، وأي إقصاء أو تهميش وعدم الإدماج في سوق الشغب لهؤلاء الشباب يعد بمثابة بتر الدولة لأرجلها التي تقف عليها.

إن الوطن ليس مجرد أرض عارية أو طرقات ومنشآت، أكثر مما هو أناس يتحكمون في مصير هذا الوطن ومصير أبنائه، أن عمر سليمان رجل المخابرات الأول في مصر حينها، عندما طلب منه طارق عبد الرازق أن يكون جاسوسا مزدوجا، أي أن يعمل لصالح وطنه مصر، رفض عمر سليمان هذا المقترح رفضا قاطعا، هكذا إذن، إذا كان هذا النموذج هو الذي يمثل الوطن فإن الوطن صار لقمة سائغة في أفواه الأعداء، وإذا كان هذا هو النموذج الذي نعتمده لحماية الوطن فإن الوطن ذهب في خبر كان مع أدراج الرياح. فكيف يعقل لرجل دولة بحجم عمر سليمان يأبى على طارق عبد الرازق أن يكون جاسوسا يعمل لصالح مصر، ولكن بَطُلَ العجب إذا عُرِفَ السبب بأن عمر سليمان كان من أكبر المخلصين لإسرائيل، وبالتالي فضل مصلحتهم على مصلحة بلاده.

قد نقول بأن هناك تواطئا عاما من أجل أن نهلك هذا الوطن ونحوله من حبيب لكل المواطنين إلى عدو لذوذ يتربص به كل أبنائه، وكثير من المواطنين الشرفاء تحولوا إلى إرهابيين عندما تنكرت لهم أوطانهم، ولم تعرهم أدنى اهتمام..وما العمل على تخريب المنشآت والممتلكات أثناء المظاهرات، إلا ضرب من ضروب الانتقام وشعور الناس بأنهم غرباء عن هذا الوطن لكونهم لم يشعروا يوما ما بأن حقوقهم مصونة وأنهم يحضون بكامل الاحترام والتقدير ويعيشون دون أن يمارس عليهم الإذلال والتحقير، أو أن يقدموا كلقمة سائغة في فم جبابرة (طحن مو) أو يوضعون بين فكي العطش أو يرمون في حفر الفحم الحجري.

إن الشباب المغربي يحب وطنه بكل ما تحمل كلمة “حب” من معنى سام وعظيم، وقد أثبت أيما مرة بأن وطنه غال ونفيس ويستحق التضحية بكل غال ونفيس، وفي كل مرة كان يتم النداء نداء الوطن للتصدي للتصريحات الطائشة من اليمين الإسباني المتطرف أو عندما تزيغ تصريحات الإتحاد الأوربي فتصيب شرارة نارها الوطن، كان هؤلاء الشباب في طليعة الذين يحملون راية بلادهم ويصيحون حتى تتمزق حناجرهم واقفين في وجه كل أعداء الوطن ورافضين لكل التصريحات الهمجية التي تمس أمن ووحدة هذا الوطن.

إن الحراك الذي تعيشه بعض مدن وقرى المملكة هو حراك يختلف عن كل حراك في الوطن العربي، لأنه حراك بمطالب هي عبارة عن حقوق ومشاريع بملايير الدولارات سبق وأكلها مسؤولون ممن جعلوا الوطن مطية لتحويل الأموال خارج الوطن، ومن الذين سولت لهم أنفسهم تحويل الوطن الغالي إلى سلعة يتاجرون بها في الداخل والخارج، والذين عملوا على تفقير وتجويع المواطنين وسعوا ليكون الوطن عدوا لكل المواطنين. ولكن شباب بلادي أذكى من أن لا يميز بين الوطن والخائنين للوطن..وهو يعلم أنهم هم العدو ولكنهم لا يعقلون. أحمد الجبلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.