ولأن العاصفة

ولأن العاصفة

الخميس 4 أبريل 2013

ولأن العاصفة قد تعد بالأمطار وبأقواس قزح, وبالرياحين والفرح. فإن العاصفة التي مرت بالبلدة مؤخرا ما كنا لننتظر منها غير ذلك, خصوصا وأنها جاءت على أبواب فصل الربيع. لكن عاصفتنا بدل الزخات عصفت علينا ب”عجاج” يدمي مقل الأعين الحالمات.وربيعنا أينع بدل الوردات غصات. وبدل الفرح العارم آهات. وأُثخِنت الأنفس جراحات وعاهات.

سكنت العاصفة وإستكانت القلوب. ومنهم من دعاني أن أتقي الله, وكأن هَمّ الحراك الشعبي كان عودة المعتقلين السبعة إلى ديارهم, وعفى الله عما سلف. وناشدني ألا أصب الزيت على النار أو أضع الحطب في تنور البلدة الخامد, وكأني أبو لهب السياسة يولع ما خمد, أو تنين الرسوم المتحركة والتلاوات ينفث لضى الكلمات, تحرق ما أزهر في رياض البلدة المقفرة القاحلة. أوربما تخيلني تمساحا سياسيا يصيد في الماء العكر الآسن. ثم ما فتئت أن بادلته سؤالا بسؤال وقلت: أتقي الله فيمن وفي ماذا ؟ وأصطاد ماذا يا هاذا؟¡ وبماذا وكيف ولماذا؟ أوتركت لنا التماسيح ما نصطاده بعد أن موجت بأذيالها وأذنابها صفو هذا الماء الراكد الآسن الذي تزكم رائحته النتنة الأنوف؟!!. أصطاد ماذا يا هاذا في بلد العفاريت؟! وماذا تبقى من صيد مَردَتِها كي أصطاده أنا ؟!!, أنا الذي خفت حين كنت صبيا أن أحمل قصعة كسكس إلى المسجد في ليلية من ليالي القدر, مخافة الجن والعفاريت. رغم أنهم رددوا علي للمرة الألف أنها في ليلة سبعة وعشرون تصفد وتغلغل!!. لكني لم أصدق ولم أتململ. لماذا تعيبون علي إستعمالي لقاموس السياسة الحديث الذي يعتمده رئيس الحكومة بن كيران, وزعيم الشعبويين الجدد شباط, الحليف في حكومته والمعارض لها في نفس الآن, والذي قال مؤخرا في إحدى الندوات, متوجها باللائمة لبن كيران لتقاعسه في محاربتها:” الحمد لله احنا كلنا عفاريت”!!؟؟.

ثم هناك من عابوا علي,حبا, منهاجي الكتابي الأخير وصنفوه في باب حكايات “احديدان”. هذا العتب كان من أحب العتابات إلى قلبي لأنني وجدتني مصنفا في خانة المحافظين على الموروث الثقافي الشعبي الآيل للإندثار,أمام الإجتياح الثقافي الهجين والدخيل الذي يغزونا. وذكرني عتبهم بالصِّبا حين كنا نجلس أو نستكين على لحاف أو هيدورة أو حصيرة نستمع إلى حكايات الجدات والعمات. وما كنا نعي بالبرد ووخز الصوف والحلفاء أمام هول ما كنا نسمع عن “ثامزا” أو عمتي الغولة

.
تذكرت بعض قصص كان يرددها علينا الوالد الكريم ويستوحيها من القرآن الكريم , كقصة سيدنا موسى مع بني إسرائيل وجدالهم حول البقرة أسمينة ؟أصفراء؟ أفاقع لونها؟.. . وقصته كذلك معهم ومع السامري وعجله الكاذب. وقصة سيدنا سليمان مع النمل ومع الهدهد والجن وملكة سبأ. وقصة سيدنا صالح والناقة التي عقروها والعذاب الذي دمدم عليهم. وتذكرت قصة نوح عليه السلام الذي أخذ من كل صنف زوجا على سفينته, وقصة سيدنا إبراهيم وإبنه الذي فداه الله بذبح عظيم. كما تذكرت موروثنا الشفاهي على لسان العجائز, مُطعمة بما كان متاحا لنا من الخيال المستوحى من تلاوة بوكماخ. بدأت أعيد في ذهني ما بقي عالقا من قصة أحمد والعفريت,ومن قصص “كليلة ودمنة”, كقصة مالك الحزين الذي شفعت نصيحته للحمامة أن تخلصت من جشع وشراسة الثعلب, لكن لم يشفع له دهاؤه ورزانته أن يقع بين فكي الثعلب الغادر الماكر. كما أنني ما زلت أحفظ بعض أشعار من قصة شوقي الشعرية, والتي يختمها على لسان الديك قائلا:” مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا”. تذكرت كتاب الحيوان للجاحظ, وقصة الغراب المقلد لمشية الحمامة. وقصصا عديدة من كتاب “كليلة ودمنة” كقصة الأسد والثور, وقصة القرد والنجار, وحكاية ابن آوى والأسد والثعلب… وقصصا أخرى من هذا الكتاب الذي ترجمه ابن المقفع من الفارسية إلى العربية

وتصرف فيه, والكتاب في أصله هندي, وربما هذا يفسر غزو الأفلام الهندية لنا أيام سينما بوجمعة رحمه الله


ابن المقفع تصرف في هذا الموروث ليتلاءم مع بيئته العامة آنذاك. كان ظاهره لهو للخواص والعوام, وباطنه حِكم ورياضة لعقول الخاصة. قسمه إلى أبواب خلا منه “باب التمساح والعفريت” لأن في خاصة ذاك الزمان لم يكن بن كيران. ورغم أن كتابه كان كتاب موعظة وحكم ويحث على مكارم الأخلاق. إلا أن ابن المقفع دفع حياته لتطاوله على الحكام, ورُمي بالزندقة, وقُطع إربا ليكون عبرة لكل المتطاولين مثله على النافذين. ولا ريب أن ابن المقفع مات وبقلبه ضيم وحِزّ لِما آلت إليه أحوال البلاد والعباد, ولِما انتهى عليه من نهاية تعيسة بئيسة. لا أخفي أن بي بعض من ضيمه وحِزّه وحنقه. وإذا كان هو نفى عنه تهمة الزندقة, فأنا لا أنفي عني كفري بكل الأحزاب وبسياساتها وبرموزها في بلد قال  الحسن الثاني في برلمانه يوما أنه “سيرك”. ولا أظنه أخطأ أبدا لكثرة مهرجيه وكائناته ومخلوقاته العجيبة والغريبة, ولجمهور المصفقين لحركاتهم وبهرجتهم. ولنعرف بحق أننا في بلد الإستثناء والمتناقضات فهو خروج أمين عام حزب الوردة الذابلة, لشكر, وهو أحد الشعبويين الجدد, في مسيرة, الأحد الماضي, بصحبة لحبيب المالكي, أحد عرابي سياسة الحزب وسياسة المغرب الحديث, رافعين لشعار:”… لا ثقة في الحكومة, لا ثقة في البرلمان”. وكأنهما ثائرين على الحكومة وزاهدين في البرلمان الذي يتناطحان من أجل دخوله, وتشنيف مسامعهما بخطاب فرانسوا هولاند الذي قد يغير رتابة خطب البرلمان التي حفظناها حد الضجر, منذ بدأت تلفزتنا الغراء بذكر وقائعها. والحق أننا لا نملك أمام هذا الواقع المرير وهذه المهازل اللامتناهية إلا أن نقول: لله في خلقه شؤون, ولسياسيينا في ضحكهم على الذقون, وفي إستخفافهم بمشاعر الناس وعقولهم فنون .

قلم – رشيد محيي – إسبانيا