مَنْ علَّمَنِي حَرْفاً أوجعتُهُ ضرباً

مَنْ علَّمَنِي حَرْفاً أوجعتُهُ ضرباً

الإثنين 6 نوفمبر 2017

بقلم: خالد التوزاني

أصيب آلاف المغاربة بالصدمة وهم يشاهدون مقطع فيديو يصور تلميذاً يعتدي بالضرب على أستاذه، وداخل الفصل الدراسي أمام مرأى ومسمع باقي التلاميذ والتلميذات، ولم يكن هذا المقطع إلا فصلاً صغيرا من يوميات التعليم المغربي، الذي يحفل بمشاهد أخرى أكثر عنفاً وأقل أدباً، كما لم تكن جرأة التلاميذ على أساتذتهم إلا نتيجة “منطقية” لغياب أدوار المجالس التأديبية وإقصاء العقوبات الصارمة واقتراح عقوبات “ناعمة” وحلول “لطيفة” من قبيل التجول في الحديقة أي البَسْتَنَة، أو الفُسْحة في الساحة أي المساعدة في الأنشطة الرياضية، لأن التلميذ الذي تُسوّل له نفسه التخريب أو التعنيف أو الاعتداء على الآخرين سواء كانوا تلاميذ مثله أو أساتذة، يقول في نفسه إن أقصى ما سيتعرض له هو التأنيب أو “العتاب” والتوقيف المؤقت عن المدرسة، ثم يعود للفصول الدراسية “بطلا” أمام زملائه يفخر بإنجازه، فيصبح سلوكه قدرة لغيره من التلاميذ ليسيروا على نهجه في إيقاف كل أستاذ أو إدراي أو حتى أي شخص في الشارع.. قد لا يستجيب لأهوائه ولا يلبي له طلباته، ولذلك كثيرا ما شاهد المغاربة وسمعوا بمثل هذا الاعتداءات والتي لا تفرّق بين أستاذ أو موظف أو حتى رجل سلطة أو رجل أمن أحيانا.

كذلك، الشاب الذي يعتدي على غيره في الشارع العام ويطالب المارة بالاستجابة لنزواته، وتسليمه هواتفهم ونقودهم وأمتعتهم، وإلا فسوف يضربهم بسيفه أو عصاه الحديدية أو ينحر رقابهم بسكينه الحاد.. هذا الشاب “المشرمل” يقول في نفسه إن أقصى ما سيتعرض له هو المثول أمام المحكمة وتبرير فعلته بالظروف الاجتماعية والنفسية لينال شهرا واحدا من “الإقامة الفاخرة” في سجن يكتسب فيه أصدقاء جدد وينفتح على تجارب أخرى يستفيد منها في تقوية مساره الإجرامي، ثم سرعان ما يعود للشارع “بطلا” أمام غيره من الشباب، وليكون مصدر تعنيف لعدد أكبر وبأساليب أكثر همجية، وعابري السبيل من المواطنين سيستجيبون له باللطف بعيدا عن أي مقاومة ما دامت المتابعات القضائية في حقه لم تنجح في إصلاحه أو ردعه..

ولذلك، فإن مشهد العنف الذي صدم المغاربة في شريط اعتداء التلميذ على أستاذه، لم يكن مقتصرا على وزارة التعليم فحسب، وإنما الظاهرة تشمل قطاعات أخرى أعم وأوسع وحتى داخل البيوت، مما يعني انتشار ظاهرة العنف في المجتمع المغربي، وغياب قيم الاحترام والحوار والانفتاح والتواصل، وهذا مؤشر يدل على تحولات غير مطمئنة يعرفها المجتمع المغربي، وسيؤدي استمرار الهدر القيمي إلى نتائج غير محمودة العواقب مستقبلا، وإنَّ مثل هذه الأحداث، تمثل صفارات إنذار داخل مجتمع يحفل بالمتناقضات، ويقتضي هذا الموضوع تعاملا جديا وصارما لوقف النزيف الأخلاقي والقيمي، وليس مجرد التعبير عن عدم الرضا أو حتى التعاطف مع طرف معين، أو التضامن أو الاحتجاج أو التبرير، لأن مشكل العنف أكبر وأعمق من مجرد حدث عابر أو استثنائي، وإنما يقتضي وقفة تأمل وبحث دقيق ومعمق وبوسائل العصر، مع الاستعانة بخبراء التربية والفلسفة والأخلاق والسياسة والاجتماع، فضلا عن علماء النفس وأطباء السلوك ورجال القانون، وذلك التماسا لمقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات والظروف العامة المنتجة لهذه الظاهرة، والتي لا تقتصر على تعنيف التلاميذ “الشباب” لأساتذتهم داخل الفصول الدراسية، وإنما أيضا تعنيف هؤلاء الشباب لأولياء أمورهم ولجيرانهم ولأبناء حيهم ومدنهم، في سياق ما يُعرف بظاهرة “الكريساج” أو “التشرميل” والتي انتقلت من الشارع إلى المدارس والبيوت، ولعلها قريبا ربما ستقتحم المساجد وأماكن العبادة، لتطال أماكن أخرى أكثر قداسة، والويل يومئذ لمن حاول أن يوقف زحف الظاهرة. وإذاً يجب أن نتعامل بحزم وصرامة مع مثل هذه الاختلالات القيمية والأخلاقية قبل قدوم الطوفان، والذي لن يفرق بين والدٍ وما ولد.