ميلاد الرسول (ص) ووحدة المسلمين

ميلاد الرسول (ص) ووحدة المسلمين

الجمعة 1 ديسمبر 2017

محمد أكديد*
تقديم

ما إن يهل عيد المولد النبوي حتى تبدأ بعض الفتاوى والمواقف المتشددة من الاحتفال به بالتقاطر على صفحات المواقع الاجتماعي للتشغيب على تبادل التهاني والتبريكات بين المسلمين بهاته المناسبة السعيدة. والغريب أن تصدر مثل هاته المواقف وتلك الفتاوى من أتباع نفس المدرسة (السلفية الوهابية) التي يحاول البعض تقديمها كنموذج وحيد لفهم لإسلام، رغم تورط رموزها في تكفير المسلمين وإحياء النعرات الطائفية في العالم الإسلامي والإرهاب الدولي، حتى ضاقت بهم وبخطاباتهم وقراءاتهم المتزمتة للدين كل الدول والشعوب، بما في ذلك النظام الذي قدم لهم كل أسباب الدعم والتمكين لفرض مذهبهم وأفكارهم في كل بقاع العالم1.

تاريخ الإحتفال بميلاد الرسول (ص)

إختلف العلماء حول ولادة النبي (ص) حيث اتفق جمهور أهل السنة على صبيحة يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، الموافق للعشرين من أبريل من سنة 571 م، في حين رجح أغلب علماء الشيعة تاريخ ولادته (ص) في 17 ربيع الأول كما ورد عن أحد أعلامهم، وهو الشيخ الصدوق في إقبال الأعمال: إن الذين أدركناهم من العلماء كان عملهم على أن ولادته المقدسة كان يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول عام الفيل.

تاريخيا، بدأ الاحتفال بالمولد النبوى مع دخول الفاطميين الشيعة إلى مصر، حيث أقيم أول احتفال بالمولد النبوى الشريف فى عهد الخليفة الفاطمى «المعز لدين الله» عام 973 وهم أول من وضعوا أساس هذا الاحتفال، حيث يروي المؤرخون بأن الوزراء والكبراء والعامة كانوا يستقبلون هذه المناسبة الكريمة بإظهار الفرح والسرور، وصنع الحلوى بأشكالها المختلفة كالطيور والقطط والخيول والعرائس.. وقد أسس الفاطميون نظاماً يهدف إلى تخزين جميع المواد التموينية من سمن وسكر وزيت ودقيق، كى تصنع من هذه المواد الحلوى، وكانت الحلوى توزع بأمر الخليفة على جميع طبقات الشعب فى جميع المناسبات الدينية وبصفة خاصة المولد النبوي.


وقد اتفقت أغلب المذاهب بين السنة والشيعة على الاحتفال بمولد الرسول (ص)، فما شد عن هذه السنة إلا أصحاب الظاهر الذين بدعوا القائلين بجواز الاحتفال بهاته المناسبة لأسباب ظنية، ومن هؤلاء ابن تيمية، والإمام الشاطبي، وابن الحاج المالكي من القدماء، ومن المعاصرين كل علماء السلفية الوهابية وأبرزهم الشيخ ابن باز.

أدلة المعارضين

اتفق المعارضون لإحياء هذه المناسبة على أن الإحتفال بميلاد الرسول (ص) لا أصل له في الكتاب والسنة، ولم يقمه رسول الله (ص) ولا الصحابة ولا أحد في القرون الثلاثة الفاضلة. كما أن إقامته تشبه بدين النصارى، الذين يحتفلون بعيد ميلاد المسيح (ع)، وقد نهينا عن التشبه بهم، وأن إظهار الفرح و السرور، فيه قدح في محبة العبد لنبيه الكريم (ص)، إذ هذا اليوم بالاتفاق هو اليوم الذي توفي فيه الرسول (ص)، وأن موائد هذه الإحتفالات تشتمل على الكثير من المحرمات والكبائر حسب قولهم كالطرب والغناء والإختلاط إلى غير ذلك من الحجج التي ردها القائلون بجواز الإحتفال بالمولد النبوي الشريف من عدة وجوه..

ردود المؤيدين

من جانب آخر، فقد اتفق كل علماء ومراجع الشيعة إلى جانب جمهرة من كبار علماء السنة، ومن أبرزهم شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والحافظ السيوطي، والحافظ السخاوي، وابن عاشر المالكي، وابن مرزوق، والشيخ سعيد حوى من المعاصرين على أن ترك النبي (ص) والسلف في القرون الثلاثة الفاضلة لا يدل على التحريم؛ فإنه من المعلوم أن رسول الله (ص) لم يفعل جميع المندوبات والمباحات، لذلك تحريم كل ما تركه لا يعد مقبولا وسائغا، حيث لا يحق لأحد أن يحرم على نفسه أو على غيره “إلا بدليل صحيح واضح، وإلا فهو معتد ومبتدع ومتنطع2″، وقد سن الصحابة والخلفاء من الأعمال ما لم يفعله النبي (ص) في حياته كصلاة تراويح رمضان التي سنها عمر بن الخطاب (رض) بعد أن نهى النبي (ص) عنها.

أما الزعم بأنها بدعة محدثة وضلالة، فالعلم قائم أن البدعة هو إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشرع. وعلى فرض ذلك يرد الحافظ السيوطي:”هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي (ص) وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف” وفي قوله تعالى أيضا : “ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوب” (سورة الحج-32) إقرار بأنّ شعائر الله تعالى هي أعلام دينه.

أما القول بأن في الاحتفال بالمولد النبوي تشبه بالنصارى فهو ظني كذلك، إذ يقول ابن تيمية رغم كونه من المعارضين للاحتفال: “وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح (ع)، وإمّا محبّة للنبي (ص) وتعظيماً له والله لقد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع” 3 وقد جاء في صحيح مسلم حين سئل رسول الله (ص) عن صيام الاثنين فقال: “ذاك يوم ولدت فيه”.

أهداف المناسبة

من جانب آخر، فليس بالضرورة أن نبحث عن مصدر لهذا الاحتفال في السنة أو ممارسات الجيل الأول من الصحابة لإقرار هذه السنة، فكل الأمم تحتفل اليوم بميلاد عظماءها ورموزها، وليس نبي الإسلام محمد (ص) أقل شأنا من كل هؤلاء، وقد كان مولده الكريم فتحا مبينا لأمة الإسلام والإنسانية جمعاء. كما أن الدين لم يأت لتقييد كل أفعال وسلوكات الإنسان بضوابط صارمة، بل من أجل ترسيخ القيم النبيلة والدفاع عنها وتحريم الأفعال المنكرة وتجريمها مما يسيء إلى الإنسان كفرد وإلى المجتمع ككل. وبالتالي فلا يجب إقحامه في أحوال التعبير عن المشاعر والخصوصيات الإنسانية، خاصة وأن إحياء مثل هاته المناسبات ضروري لإدماج الأجيال في هوية الجماعة المسلمة بالإنفتاح على تراثها ورموزها وبخاصة سيرة النبي (ص) وشمائله وهديه. وقد بتنا نعيش اليوم في زمن قد اختلطت فيه القيم وضاعت فيه القدوة مع ما يكرسه إعلام الإستهلاك من قيم و مثل لا علاقة لها بثقافة الإسلام أو المجتمع المغربي.

إن مولد الرسول (ص) ليجب أيضا أن يكون محطة لانفتاح المسلمين على بعضهم البعض وتجاوز خلافاتهم الطائفية المقيتة التي يكرس لها البعض عن جهل أو عن تعصب، مما لا يخدم إلا أعداءهم. وقد دأب فريق من العلماء والدعاة والحركيين على إحياء أسبوع الوحدة الإسلامية كل عام بغرض التقريب والتواصل بين المسلمين شيعة وسنة، حيث انبثقت هذه الفكرة من ذلك الفارق البسيط بين الطائفتين حول تاريخ ميلاد الرسول الأكرم (ص)، بعد أن اقترحها ولأول مرة الإمام الخميني بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران فلاقت قبولا في الكثير من دول العالم الإسلامي التي انخرطت في إحياءها كل عام.

ورغم التوتر الذي ساد الأجواء بين الطائفتين نتيجة الحروب والفتن التي اجتاحت بلاد المسلمين خلال السنوات الأخيرة، والتي حاول البعض تسعيرها بخطابات الطائفية، ما زالت هناك الآمال قائمة لاستثمار هاته المناسبة الجليلة من أجل العمل على تقريب وجهات النظر بين المسلمين وبناء أرضية مشتركة للوحدة الإسلامية مصداقا لقوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا” (آل عمران-112)، بحيث يبقى رسول الله (ص) قدوة وإماما لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها رغم اختلاف مذاهبهم وتياراتهم.

الهوامش:

1- صرح ولي العهد السعودي مؤخرا محمد بن سلمان بتصميمه على حصر الوهابية السلفية فقط في مكة والمدينة في إشارة قوية إلى تبني الدولة لسياسة جديدة في الإنفتاح والتحديث وفق النموذج الغربي!!

2- أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية: 85.

3- ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص293.

*باحث في اختلاف المذاهب الإسلامية
mohamed.akdid@gmail.com
www.sarhproject.com