من أجل صحوة إسلامية حقيقية

من أجل صحوة إسلامية حقيقية

الثلاثاء 7 نوفمبر 2017

الصادق العثماني
إن كان العالم الإسلامي وخاصة أهل العلم والفكر والثقافة فيه، يريدون نهضة حقيقية وتقدم ورقي وازدهار ونماء وعزة وقوة، ينبغي علينا مراجعة الكثير من المفاهيم التي ترسخت في أذهاننا عن ديننا الإسلامي ولسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، التي تم اختصارها واختزالها –مع الأسف- من قبل المسلمين في سنن النوم والأكل والشرب واللباس؛ من تقصير السراويل ولف العمامات على الرؤوس وغير ذلك، وتركنا سننه الشريفة من صدق وإخلاص وأمانة ووفاء وعدل، وإحسان، وتضامن ومحبة.. كما تركنا سنن الله في الأنفس والآفاق والسقم والصحة والسلم والحرب..

فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم، يأخذ بالأسباب كلها في هجرته من مكة إلى المدينة لما أراد كفار مكة قتله؛ فيخفي أمره عن الناس، ويجعل عليا رضي الله عنه ينام في مكانه، ويعد الراحلة، ويختار رفقة الطريق، ويعد من يزودهم بالطعام، ومن يمحي آثارهم عن الأعين، ومن يأتيهم بالأخبار، ويختار طريقا معاكسا لوجهته الأصلية، ويختبئ عن عيون خصومه في الغار، يفعل كل ما هو من عالم الأسباب وسنن الله الكونية المودعة في ملكوت السماوات والأرض، وهو المؤيد بالوحي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، يعلم بأن لله سنن في الأفراد والجماعات والدول والحضارات وتسري على جميع الناس مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم وملحدهم، ولا تختلف أو تتبدل من مكان إلى مكان، أو من حقبة إلى حقبة؛ ويترتب على عدم الفقه بها نتائج سلبية، وفق مقادير ثابتة لا تقبل التبديل ولا التغيير، كما لا تجامل ولا تحابي أحدا مهما كان شريفا أو وضيعا: “فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.. ” .

فالصحوة الإسلامية في بداية تشكلها ركزت على أشكال التدين وأهملت جوهر الدين وقيمه، فأبدعت في فن مظاهر التدين من لحية وحجاب ونقاب وألبسة فضفاضة وروائح العطور المشرقية، مع الحفاظ على الصلوات في المساجد وقراءة القرآن وحضور حلقات العلم الشرعي وغير ذلك، وهذا في حد ذاته جيد ولا ننكره أبدا؛ لكن حقيقة الدين وجوهره نجدها بعيدة عن أغلب شابات وشباب الصحوة الإسلامية؛ حيث الكثير منهم لا يعيشون حياتهم كما أمرتهم تعاليم الإسلام وقيم القرآن، وما زلت أتذكر شخصيا وأنا طالب في جامعة القرويين بكلية الشيرعة بفاس/ المغرب بأن أغلب الطالبات والطلبة ذات التوجه الإسلامي كانوا يغشون أثناء الإمتحانات كسائر الطلبة من فصائل علمانية أخرى الذين كانوا يسمون بالرفاق، فتجد الطالبة تغش من تحت حجابها في الإمتحان مثل الطالبة السافرة (الرفيقة) ، مع أن الغش حرام في الإسلام، وهناك الأم الملتزمة والمتدينة، لا تنهي طفلها عن سرقة الحلويات في الدكان، كما تجد تاجر السيارات ملتزم وملتحي ومن أبناء الصحوة الإسلامية، الذي تبدي عليه الفرحة والسرور بعد أن استطاع التلاعب بعداد الكيلومتر، مع أن الخيانة والتدليس لا تجوز شرعا، وهناك قاضي أو محامي متدين وملتزم يزور ويدلس على القضاء من أجل الإنتصار لصديقة الذي ينتمي لنفس حزبه، مثله مثل المحامي الآخر الإشتراكي أو الشيوعي أو العلماني أو الحداثي ولا فرق بينهما إلا بمظهر التدين !! ، وهناك أمثلة كثيرة من هذا النوع والتي تعم جميع المجالات،

مع أنني لآ أنفي بأن هناك الصالح والطالح في كل التيارات، سواء التيارات الإسلامية أو العلمانية أو غيرها، وما نود الوصول إليه، وهو أن الحركات الإسلامية في الوطن العربي -للأسف- فشلت في تربية شبابها على قيم الدين الحقيقية؛ بينما نجحت نجاحا باهرا في انتجاج أشكال وأنواع التدين الذي لا يسمن ولا يغني من حقيقة الدين شيئا؛ لهذا طفت على سطح مجتمعاتنا الإسلامية ظواهر غريبة عجيبة وخاصة وسط “المتدينين” ومن بينها المزايدات والنقاشات العقيمة في شؤون الدين عبر الشبكات العنكبوتية العالمية؛ ليس من أجل إبراز حقيقة الإسلام والتمسك بتعاليمه وأخلاقه وآدابه وتوجيهاته ومقاصده اﻹنسانية النبيلة؛ وإنما من أجل إبراز عضلات المعرفة والعلم والفهم في حلبة الصراع تجاه الخصم؛ بغية إفحامه وإسكاته وتسفيه أفكاره وتبديعه وتكفيره، هذا النقاش العقيم السائد اليوم بين أبناء الصحوة الإسلامية كان ساداتنا العلماء يكرهونه؛ بل يحرمونه ومنهم إمامنا مالك رحمه الله فكان يقول: “ليس العلم كثرة الرواية ولكن العلم الخشية”، ولهذا لا غرابة وأنت تناقش هؤلاء إلا ويطالبونك بالدليل الشرعي في كل صغيرة وكبيرة ، مما يدل على بؤسهم الفقهي والمعرفي ونظرتهم البسيطة الجامدة للدين الإسلامي؛ فعوض أن يكونوا شموع الهداية والإبداع والتنوير والتجديد أصبحوا ضده، والطامة الكبرى هي أنهم لم يكتفوا بالجمود والتقليد وفقط؛ بل بدعوا كل شيء جديد ومستحدث مالم يكن فيه نص شرعي من الكتاب والسنة؛ مع أن علماءنا الكبار فصلوا في هذا ومنهم إبن عقيل الحنبلي في موسوعته “الفنون” عندما ناظر أحد العلماء من المدرسة الشافعية، وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الشرعية وتسيير شؤون الحياة الدنيوية، فكان الفقيه الشافعي يقول: “لا سياسة إلا ما وافق الشرع”، فردَّ عليه إبن عقيل: “بأن السياسة ما كان من الأفعال؛ بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وإن لم يشرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا نزل به وحي..” ، هكذا ينبغي أن يفهم الدين الإسلامي، إن كنا فعلا نريد صحوة إسلامية حقيقية، لا صحوة لحى طويلة وسراويل قصيرة !! .