منطقة تنملال…أصالة الحياة ومدرسة أصول الشريعة‎

منطقة تنملال…أصالة الحياة ومدرسة أصول الشريعة‎

الخميس 7 ديسمبر 2017

زايو سيتي.نت: نور الدين شوقي

مقدمـــــــــة:
تبدو لك تنملال في وسط جبال كبدانة هادئة بجمالها آمنة وسط هضابها الصامتة
وخرير مياهها العذبة وفطرة أهاليها وسحر أخضر عشبها وطول أشجارها العتيقة الشامخة الشاهدة على عمق سحر تنملال الدافيء ،فلتات التأمل القوي للمشاهد في
سحر التناسق الكوني للمكان الذي يمنحك خلوة مميزة يتجاوز فيها ،ويتلاقح معها
ملامح الوجود برمز الخالي لتهديك سكون مقدس صحي يستفزك للتو،والمنطقة
بكاملها وهي ملفوفة بالصخور المنحوتة طبيعيا،وكثرة المغارات المنتشرة هنا وهناك ،أينما وليت وجهك فتغريك حاسة النبش عن مشهد أفضل…
لمنطقة تنملال أسرار مع الطبيعة تستحق سبق البحث، من هذا المنطلق وبهذا المنضور كان لنا هذا البحث حول هذه المنطقة .
ـ أصــــول تنملال:
تقع تنملال غرب جماعة آيت الدواد الزخانين،ومن شمالها تحدها جماعة أركمان
وجنوبا مدينة زايو وغربا تيجوت ومن الجهة الشرقية دوار آيت علي ،وهي تابعة
لقيادة رأس الماء، سكانها أمازيغ لغتهم أمازيغية زناتية
ـ الجغرافيا والفلاحة:
تعتبر هذه المنطقة جبلية وهي جزء من سلسلة جبال كبدانة طقسها قاري حار في فصل الصيف وبارد في فصل الشتاء تحيطها جبال قليلة متوسطة الإرتفاع والإنحدار و من بينها أجليذ إِمولا(ملك الغابة)وسبعة ن تلوين(سبعة عيون)،أما بالنسبة للثروة المائية،فتعتبر العيون وبعض الأبار المورد الوحيد لساكنة الدوار وكلها تتواجد على طول خط الأنهار العابرة وسط الدوار.
يعد الرعي والزراعة النشاط الفلاحي الوحيد الذي تعتمد عليه ساكنة هذه المنطقة
وكلها تعد زراعة بورية تعتمد على التساقطات المطرية ،رغم توفرها على مخزون
مائي جوفي مهم إلا أنها غير صالحة للسقي لشدة ملوحتها حسب شهادات أهلها
ـ الثروة الغابوية والحيوانية:
تزخر تنملال بعدة مؤهلات طبيعية تتمثل في مواقع أركيولجية من جبال وغابات،إذ تعرف تنوعا مهما في الغطاء النباتي وتحتوي على عديد من أنواع الأشجار كما أنها تحتوي على أصناف من الزواحف والحشرات المختلفة النافعة منها و”الضارة” ،أما بالنسبة للثروة الحيوانية فمنها المتوحشة: كالذئب،الثعلب،الرت
أما الأليفة فتتمثل في البغال،الحمير،المواشي،الأرانب…إلى جانب الطيور المتواجدة بكثرة وبأنواع مختلفة:كالحجل والحمام…ومنها المهاجرة والمقيمة بصفة دائمة،مما يزيد لهذه المنطقة جمالية زائدة فريدة من نوعها.
ـ الصناعة التقليدية:
تعتبر الصناعة التقليدية في تنملال شبه محلية ،إذ كان أهلها يصنعون ما يحتاجونه
لغرض الإكتفاء الذاتي فقط ،وكانت تتمثل في أدوات بسيطة :كالأطباق المصنوعة
بالحلفة أو الدوم والمحراث الخشبي ولوازمه إلى جانب صناعة النسيج بالصوف المحلي كزربية أعلاو و بورابح…
ـ العادات والأعراف:
كان لدى أهالي تنملال فرق بين العادات والأعراف ،إذ كانت العادات ملزمة للدوار كله ولا يجوز تعديلها إلا بموافقة ساكنتها،أما الأعراف فهي ملزمة لأفراد الدوار ولهم الحق في تعديلها،كتحديد مبلغ الغرامة التي يجب دفعها في حالة الضرر
الناجم عن قتل حيوان لمالكه،أو دخول قطيع غنم في حقل جاره ،ومن بين الأعراف التي كانت تنضم هذه العلاقات بين سكان الدوار هي كالتالي:
ـ أَذْوَالْ:يقتضي تبادل الدواب يوميا بالتناوب أثناء الحرث وخاصة عند الفلاحين البسطاء الذن لا يتوفرون على(أثْيُـــويَا)زوج من الدواب للحرث أو الدرس
ـ تْويزا:وهو التعاون بين أهالي الدوار المشاركين لإنجاز طريق،أوبناء منزل
ـ لعْشورْ:وهو يقوم الفلاح أثناء جني الغلة الفلاحية وغالبا من الحبوب يعزل عشر
المحول ليتصدق به على المحتاجين:
ـ أرزف أو لهديث:وهي تبادل الهدايا أثناء الأعراس ومختلف الأفراح بين أفراد
الدوار،ويقوم الأهالي غالبا على إهداء خروف مرفوق بكيس من سكر القالب…
ـ الشرذ:وهو يقتضي أن يؤدي السكان واجب الفقيه سنويا بما يعرف بالشرذ وهي كمية من الحبوب تكون من الشعير أو القمـــــــــــح
ـ النوبث:وهو إعطاء خبزة (تاشنيفت)بالتناوب لفقيه المسجد وأحيانا يكون مرفوقا بالطعام ويتكفل الطلبة بتسيير هذا النضام
ـ تنملال العلميـــــــة:
كان أهالي تنملال ورعون ويقدسون كل ما يرتبط من قريب أو من بعيد بالدين لقد كانوا يقدمون ذبائح و أطعمة كثيرة من أجل جلب طلبة العلم ،وكان هؤلاء يلقون كل الترحاب في مسجدهم أو مدرستهم القرآنية ،ولكون طلبة المرحبين بهم يدركون المعزة التي يحضون بها ،فإنهم كانوا يتهافتون على هذه المنطقة من كل ناحية
كان الأباء يرسلون أطفالهم ذكورا وإناثا،لتعلم العلوم الشرعية وحفظ القرآن في هذا المسجد،الذين وجدوا في التربية الإسلامية عادات تحفزهم للتلهف على حضور دروس مسجد تنملال المختلفة،إلا أن الإناث كن لا يواصلن دراستهن بعد ظهور عليهن علامات البلوغ مما يضطر الأباء توقيفهن عن إستكمال الدراسة،وذالك لأسباب وتقاليد معروفة التي كانت سائدة أنذاك في المجتمع التنملالي المحافظ.
يعرف عن مسجد تنملال أنها كان لها نظام تعليمي مميز،تنظمه قوانين محلية للتسيير ،إذ كان الفقيه حكيم في تصرفاته ومجد في عمله ينظم الشؤون الدراسية
مع معاونيه من الطلبة الواشكين على إتمام وحفض ستون حزبا،وكان السكان يتكفلون بإيواء بعض الطلبة ويوفرون لهم بعض الشروط المعيشة من أكل وشرب والباقون خاضعون لنظام عرف النـــــــوبث
لقد شكلت تنملال مدرسة فريدة من نوعها إذ كان الطالب أثناء حفظه للقرآن يطاف به في الدوار رفقة زملائه يرددون بعض الأمداح ،إذ كان الأهالي يستقبلونه بغاية
الفرح والسرور ويجلسونه في أحسن مكان وعلى أحسن وأجمل فراش ويقدم له الطعام،وأثناء الليل تخصص له العائلة حفلا لتلاوة القرآن يحظره الجيـــران والأقارب وتتخلله أحيانا إيقاعات بالدفوف وتأدية بعض الأشعار كلها ثناء ومدح للطالب ،إلا أن هذه العادة لم تكن مقتصرة ومحصورة في تنملال بل كانت أكثر حماسا في المناطق الأخرى،وهي عادة أمازيغية قديمة،إذ تعد الأهازيج والأشعار بالدفوف خاصة من جانب النساء والحفل لقراءة القرآن غير متناقظين بل أحدهما
يكمل الآخر بأداء وظائف محددة ،وما زالت من عوائد أهل المنطقة كما في الجهات الوطنية الأخرى،عند نهاية العرس،يقوم البعض بحفل ختام بقراءة القرآن
ـ أهمية المسجد(تامزييذا) في تنملال
كان للمسجد في حياة أهالي الدوار أهمية قصوى بإعتباره المركز العام للتشاور في
جميع شؤونهم الخاصة بهم كالفلاحة ومختلف العلاقات الإجتماعية والإقتصادية مما
جعلهم السباقون لبناء المسجد الوحيد في المنطقة والذي كان تقام فيه صلاة الجمعة
ـ التصوف عند أهل تنــــــملال:
في كل سنة تترقب ساكنة الدوار والنواحي حلول موعد “صدقة تنملال” ،هذا الموعد
العضيم بشوق وفرح زائد،إذ تحرص مختلف شرائحها الإجتماعية وفعالياتهاعلى
الترحيب الحار بالوافدين عليها وعلى المشاركة التلقائية في جميع مراسيم التظاهرة
وطقوسها،يعد هذا الموسم تقليد صوفي وتظاهرة دينية موسمية كبيرة ،إلا أنه قديما
كان يحيا هذا الموعد مع حضور (الفقرا)وهي تسمية صوفية يعنى بها الفقهاء مع
بداية فصل الشتاء كانت الغاية منه هو التظرع إلى الله أملين أن تكون السنـــة الفلاحية خصبة وكان الفقرا أو الفقهاء لا ينتمون لأي طائفة دينية أو زاوية معروفة
وكان يأتوها الناس أنذاك إلى حدود اليوم من كل مكان ،فتذبح الذبائح لإطعــام الحاضرين وتحيا الحفلة بالمسجد ليتناوب الحاضرون على قراءة الأذكار وتلاوة القرآن المختلفة والإستغفار تتخللها مواعظ وتوجيهات من الفقـــــــهاء

ـ تنملال أصل التسمــــــية:
تنملال:هي تسمية أمازيغية ويعنى بها مجموعة مدارس والمفرد منها تِنْمَلْ أي المدرسة الواحـــــــــــــدة
ـ خاتمــــــة
أن هوية تنملال هوية تاريخية هو الذي صنعها ،فهناك سمات وتصورات عند أهالي الدوار بمنضور جماعي، تستقر في اللغة والقيم والعادات والتقاليـد
والتاريخ المشترك.ومن هذه الخلفية التاريخية فيمكننا القول أن هذه الحضارة بمثابة
إنتقال تراث ثقافي إجتماعي بإختلاف مظاهره ومكوناته