لقـــاء لم يتــم — الحلقة الثالثة —

لقـــاء لم يتــم — الحلقة الثالثة —

الأربعاء 5 يوليو 2017

بقلم: حسناء القادري

بسم الله الرحمن الرحيم
كانت والدتها في انتظارها واقفة أمام نافذة البهو، شاردة الذهن تفكر وهي تنظر الى السماء الغائمة وقد بدأت تمطر، ابتلت الارض بينما أخذت الاشجار أغصانها تتراقص بفعل رياح مفاجئة سرعان ما خبت قوتها. استدارت نحو ابنتها وطفقت تتأملها كيف غدت شابة يانعة متحمسة.
أمي…قالتها بحشرجة: أعرف ما تعنيه بصمتك لكن حان موعد سفري، اذ كان علي أن أتخذ هذا القرار منذ فترة، الا أن الظروف التي مررنا بها جعلتني أؤجل فرصا كثيرة كي لا أزيد الاوضاع قساوة، الآن وقد قطعت عهدا على نفسي من أن أسافر من أجلك ومن أجل ان يتحسن وضعنا المادي ونحظى بعيش كريم كما بقية الناس، أريد ان ينمحي هذا الحزن من عينيكما أنت ووالدي، وتعيشا بقية حياتكما سعيدين مثلما سعيتما لأن نكون في طفولتنا وشبابنا .
سكتت لحظة ثم أضافت:
صحيح أنني لم أحظ بعمل هنا كما أملنا، لكن لكل واحد منا الحق في أن يحاول ثانية، فعسى أن أجد في هذا السفر فرصة لحياة أفضل تُنسينا ما مررنا به من تعاسة. ألا ترين أن الأهم أن نقتنع بما سنفعل كي نصل وننجح ونسعد يا امي ؟
– بلى يا ابنتي ، لكن اذا أردت ان ينمحي هذا الحزن من عيني ، فلا شيء أحب الي من أن أراك بيننا تؤنسين وحشتي وتخففين اكتئابي وتُنسيني ألم رحيل ابنتي الصغيرة.

– انه مستقبلي يا أمي فليس لدي خيار آخر غير السفر، واعلمي أنني أنا أيضا ما كنت لأسعد في سفري لولا رغبتي في ادخال شيء من الفرحة والبهجة الى قلبك ، لكنني مضطرة.

– أنت لا تدركين مدى خوفي عليك. قالتها بصوت حاد: ليس كل سفر يحمل لصاحبه النجاح والسعادة، وليس بالضرورة أن نسافر لنشتغل اذا كانت لدينا طرق أخرى للعمل والاغتناء، أنا لا أرى داعيا للسفر… فلدي الكثير مما سأقوله لك .

– أعرف مقدار خوفك علي يا أمي ، وأعرف جيدا أن رحيل أختي شكل بالنسبة لك صدمة نفسية جعلتك ترين في كل سفر أداة لموت محقق، فكيف يمكنني أن أقنعك أكثر من قولي من أن وفاة أختي الصغيرة كان قضاء وقدرا .
يجب علينا ان نواجه خوفنا يا أمي اذا نحن أردنا الوصول الى أهدافنا، فأنا أرى أن هذه فرصتي التي ربما لن تتكرر. أعتذر منك يا امي، لكني سأتصل بك عندما أصل ، وسنلتقي مجددا ان شاء الله أعدك بذلك …الى اللقاء.
أدارت الام وجهها رافضة توديع ابنتها الوحيدة في أول رد فعل منها لتزيد لحظة الفراق حدة وقساوة:
– اذا هان عليك ان تتركينا لوحدنا …فافعلي ما شئت !


– أي احساس وأي شعور هذا الذي اعتراها ،سهم وقد اخترق صدرها ليختصر كل ألم ووجع ، ويجعل من الجفاء أقسى شعور يمكن أن يندفع الى قلبها ، فلم تحس بالضياع كما أحست في تلك اللحظات ، ولم تتوقع أن تتخلف والدتها عن مساندتها وهي التي تتوق الى اسعادها وجبر أحزانها ،في مشهد لا يقل قساوة عن لحظة الفراق نفسها.
توجهت نحو والدها فقبلت يده وهي تغالب الدموع…ثم خرجت في صمت.

يُتبــع…