كم احبك يامدينتي الصغيرة ..

كم احبك يامدينتي الصغيرة ..

الثلاثاء 3 يناير 2017

زايو سيتي.نت
فـي مدينتي الصغيرة كل بيوت الحي كانت بيتي، لم أدرك معنى الأسوار التي تفصلها إلا بعد سنين طويلة..إلى اليوم نفس الإحساس ينتابني كلما عاد بي الفكر إلى ذاك الزمن : باب مسكني هو مدخل الحي، حتى وقت النوم، مرقدي أينما غفت عيني، في دارنا أو في دار الجيران لا فرق .. بيني و بين ابناء الجيران لا فرق، كل النساء خالاتي، و كل الرجال أعمامي.

في مدينتي الصغيرة، للعيد طعم مختلف، استيقظ باكرا فأرتدي ملابسي الجديدة – كما في نصوص “إقرأ”- أصلي العيد رفقة “طارق” و البقية، ثم نمضي بقية اليوم بين الزقاق و بيوت الحي، فرحين بالهدية التي نلناها من الجميع.

img_5461
في مدينتي الصغيرة، لم يكن صيفنا شاطئا و لا مصايف، فقط أمسيات سمر جميلة.. هناك أمام باب “خالتي خدوج” اجتمعت النسوة تتحدثن و تتسامرن، و هنا أمام بيتنا نحن الأطفال نشكل حلقة كبيرة مفترشين حصيرا
12593699_1718330818387872_9157498880909885955_o
نلعب”الورق” و ننفذ الأحكام بفرح و بهجة، لا يتذمر أحد، و لا يمر سكير أو عربيد يفسد علينا جونا، نبقى كذلك حتى ساعات الصبح الأولى. و في أحايين كثيرة نشكل مجموعتين فنلعب “الكنز” “بوليس و شفارة” أو “كاش كاش (غميض البيض)” و صباح كل أحد، مقابلات كرة القدم بين الأحياء في أطراف المدينة.

في مدينتي الصغيرة، يوم “عاشوراء” لا يمر صامتا، ما بين “شعالة” ، أغاني المناسبة، لحظات لا تنسى. كبارا كنا و صغارا نلعب و نمرح. آباؤنا و أمهاتنا بدورهم كان يروقهم الشغب ذاك اليوم فيستفيدون من حصتهم فيه بكل عفوية .. أتذكر بابتسامة كبيرة ، والدي يوم أخرج خرطوم ماء بعد أن تعب من ملأ الأوعية، فلم يسلم منه غاد و لا جاء.
img_5459

في مدينتي الصغيرة، “الجورة(الجوار)” خط أحمر و أمر مقدس.. إن اختلفت مع أحد أبناء الحي أو تشاجرت معه لا تفكر في التذمر و لا في الشكوى، لأنك في نظر والدتك ستكون المخطئ في كل الأحوال، ليس ظلما أو قهرا، و لكن لأن الحادث أمر عارض من المستحيل أن يتحول إلى شجار بين الجيران.
img_5462
في مدينتي الصغيرة، زفاف أحدهم أو إحداهن مناسبة تستنفر الجميع بدون استثناء .. كل النساء تحضرن الحلوى و المأكل .. المدعوون كثر؟؟ لا يهم، المضايف كلها تفتح، الرجال في بيت فلان، و النساء في بيت علان .. و أما الأفرشة و الأواني، فإلى اليوم لا نعرف من يملك ماذا، و حتى مصاريف الفرح الجيران لهم فيها نصيب.
img_5457
في مدينتي الصغيرة، إن غاب والداك أو سافرا لأمر طارئ لا تقلق أبدا، مأكلك و مشربك يصلانك محمولان على طبق .. إن احتجت شيئا يصلك قبل أن تفكر فيه، و إن مرت بك ضائقة لا تقنط، ستجد أناسا طيبين حولك و من خلفك يساندونك و يدعمونك حتى تتجاوز الأمر.


14242494_1785330435021243_8800279383507191212_o

اليوم و أنا أتذكر مدينتي الصغيرة و سكانها تختلط بسماتي بدموع شوق لأيام مضت .. أيام الطفولة و الفرح العذري، حيث كان الحب بين الناس عفويا لا يقبل القسمة و لا يتأثر بمقادير الزمن مهما كانت قاسية ..