شجاعة ملك

شجاعة ملك

الإثنين 5 أغسطس 2013

لقد خلف قرار إدراج إسم الاسباني ذو الاصل العراقي دانيال ضمن قائمة العفو الملكي بمناسبة عيد العرش المجيد  والذي سبق ان أدانته العدالة المغربية   بثلاثين سنة سجنا على خلفية إغتصاب 11 طفلا بمدينة القنيطرة، لم يقضي منها سوى 32 شهرا ،موجة غير مسبوقة من ردود الافعال الوطنية والدولية .

وبمجرد شيوع الخبر ،خرج المواطنون المغاربة في الرباط والناضور والدار البيضاء وتطوان وغيرها  للتعبير عن رفضهم التام لقرار العفو الملكي الذي أجج مشاعر الحزن والغضب لدى أسر الاطفال المغتصبين   وكافة شرائح الشعب المغربي في الداخل والخارج ،كما توالت بيانات وبلاغات الجمعيات الحقوقية المنددة بالقرار والداعية الى الاحتجاج السلمي على قرار إعتبر مستفزا لكرامة شعب بكامله ولبراءة الطفولة المغربية.

وبالرجوع الى كرونولوجياردود الافعال و تداعيات الحدت والخرجات الصحافية الرسمية التي واكبته ،يتبين بجلاء صورة  التناقض  الذي رسمتهتصريحات مكونات الحكومة وبلاغات القصر الملكي  والمصادر الرسمية  الاسبانية،كما تم  رصد سوء انسجام في التواصل و تداول المعلومة المرتبطة بتطورات الحدث بين مكونات  نفس الحكومة باعتبارها مخولة قانونا بتنفيذ جزئ كبير من  اليات ومسطرة   العفو الملكي بتنسيق مع المؤسسة الملكية.

ولعل  ما تسببت فيه هذه الوضعية المحرجة من توفير  حظوظ  توجيه أصابيع الاتهام  حول مسؤولية  الجهة المسؤولة عن إقحام إسم المجرم الاسباني ضمن لائحة العفو الى داخل أسوار المؤسسة الملكية،أثر على رصيد المصداقية الشعبية التي كان يحظى بها ملك البلاد لدى الراي العام.

واذا كان واضحا منذ نشوب هذه النازلة،  رغبة وحرص كافة الاطراف  المعنية بهذا الملف  على إخراج البلاد من هذه الورطة الملمة بها في ظرف و سياق جد حساسين  باقل الخسائر،إلا انه على النقيض من ذالك  سجل المراقبون، إصرار المسؤولين على إعتماد العنف والمس بكرامة المحتجين  كأدوات اساسية   لتدبير احتجاجات سلمية  جزء كبير منها كان عفويا.


 هذه التدخلات  غير المبررة التي جابت أخبارها وصورها الصادمةأرجاء العالم ،لم تكن لتحترم  مكانة ومجهودات المغرب في رصيد التزاماته في مجال احترام مواثيق  حقوق الانسان كما هو متعارف عليها دوليا وأثرت سلبا على صورة المغرب ما بعد فاتح يوليوز 2011،كما فتحت الباب على مصرعيه لتدخل خصوم المغرب المتربصين باستمرار للنيل من استقرار ووحدته.

واذا كانت ، البلاغات الصادرة عن القصر الملكي وإن عكست تفاعل الملك اللحظي مع تطورات وانتظارات ومطالب الشارع  المغربي ،فان جزءا منها يبرز حقيقة مستوى حصانة  بعض مكونات المحيط الملكي في  تقديرهالحجم  وخطورة المسؤولية  الجسيمة  الملقاة على عاتقها وقدرتها على قراءة سليمة للتداعيات التي يمكن أن تفرزها بعض القرارات الملكية واحتمالات الزج بالبلد في آفاق غير محسوبة العواقب .

كما سجل المحللون ان البلاغات  الاخيرة الصادرة عن القصر الملكي اتسمت  بجرعة عالية من الشجاعة وإعمال مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية بدأ بإصدار  جلالة الملك قرار  فتح تحقيق نزيه في هذه النازلة  لتحديد دقيق  للمسؤوليات وإعمال المبدأ الدستوري الرامي الى إقران المسؤولية بالمحاسبة ومرورا بقرار خلق لجنة لمراجعة اليات الاستفادة من العفو الملكي  وتقديم مقترحات في شانها حول احقية الاستفادة منها ، تستحضر وتستلهم  المبادئ النبيلة التي أنشات من اجلها  مسطرة العفو على غرار ما يجري في مجتمعات الحق والقانون .

وعلى عكس ما  كانت تتنبؤ به بعض الاوساط حول استحالة قبول  جلالة الملك  تقديم إعتذار علنيا للشعب على قرار العفو  إستجابة لمطلب بعض المنظمات الحقوقية  ، في اعتقادي المتواضع ، لقد شكل قرار التراجع عن  استفادة السفاح الاسباني دانيال من  العفو الملكي، مبادرة  جريئة تعكس رغبة صريحة  لجلالة الملك  في الاحترام و الالتزام  بشروط ومقتضيات البيعة التي تربطه بالشعب، ثم ان هذا القرار ينطوي على تحقيق مطلبين أساسين  متلازمين لا يمكن الفصل بينهما اذا اردنا تصحيح سليم لهذا الوضع الشاذ ،فهو من جهة يرجع الامور الى نصابها في احترام لمشاعر المغاربة تجاه ما تتعرض له الطفولة المغربية  من اغتصاب وما سيلحق هذه الخطوة  من متابعات قضائية للجاني سواء بإسبانيا او بالمغرب  بعد ان  تأكد خبر اعتقاله من طرف السلطات الاسباني ومن جهة اخر تعبير ضمني عن اعتذار لكافة شرائح  الشعب لان الاعتذار وحده مع  وترك الجاني حرا طليقا سيكون بمثابة استخفاف في حق كافة بالمغاربة.

التدلاوي محمد