سيرة الرحمة المهداة- الحلقة (2): البيئة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم

سيرة الرحمة المهداة- الحلقة (2): البيئة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم

الإثنين 9 يناير 2017

زايو سيتي.نت : أياو حكيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أيها الاخوة والأخوات زوار موقع زايو سيتي .نت مرحبا بكم في الحلقة الثانية من سيرة الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم.

أيها الاخوة والأخوات: إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم سيرة عرفها التاريخ، وليس هدفي من هذه السلسلة
أن أعَرف المسلمين والمسلمات بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنما هدفي هو أن نقتدي جميعا بهذا النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأخلاقه، كما أننا لا يمكن لنا أن نفهم القرآن الكريم بدون فهم السيرة النبوية.
أبدأ معكم هذه الحلقة بأمر من الله عز وجل لإبراهيم عليه السلام، حيث أمره ربه عز وجل بأن يأخذ زوجته الثانية هاجر وابنه اسماعيل ليضعهما بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم بمكة المكرمة.
وعندما بلغ إبراهيم مع هاجر و ابنه إسماعيل مكة المكرمة، وضع ابراهيم زوجته وابنه عند دوْحة فوق زمزم في أعلى المسجد، في ذلك المكان القفر وليس بمكة يومئذ بشر أو بُنيان أوعمران ولا كلأ ولا ماء ترك ابراهيم زوجته وابنه هناك وترك معهما كيساً من تمر وسقاء فيه ماء، ولما أراد أن يعود إلى بلاد فلسطين وقفَّى راجعًا لحقته هاجر قائلة: يا إبراهيم أين تتركنا في هذا المكان الذي ليس فيه أنيس ولا شيئ؟ جعلت تقول له ذلك مِرارًا ، إلا أن إبراهيم عليه السلام كان يُريد أن يطيعَ الله فيما أمره عند ذلك فقالت له: آلله أَمَرك بهذا؟ قال: نعم، فأجابته حينها: إذًا لا يُضَيّعُنَا، ثُمَّ رجعت. وبعد أن ابتعدَ إبراهيمُ عن زوجته وولده قليلاً وعند الثنية التفت متوجهاً للبيت ووقف يدعو ربه تبارك وتعالى ويقول: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) سورة ابراهيم.
جلست هَاجرُ مع ولدها حَيث وضعهما إبراهيم عليه السلام، وأخذت ترضع ولدها إسماعيل وتشرب من ذلك الماء الذي تركه لهما سيدنا إبراهيم، وبعد أن نفد ما في السقاء عَطشت هاجر وابنها عطشاً شديداً وجَعل يَبكي ويَتَلوى من العَطَش، فانطلقت هاجر وأخذت تُفتّشُ له عن ماء، فوجدت الصفا أقرب جَبَل في الأرض أمامها، فَصعِدتْ عليه، ثم استقبلت الوادي علها تجد من يساعدها، فهبطت من الصفا إلى أن بلغت الوادي وأخذت تَسعى سَعيَ المجهود حتى وصلت إلى جَبَل المروة، فأخذت تجىء وتذهب بين الصفا والمروة سَبْعَ مرات، فلمّا أشرفت على المَرْوة سمعت هاجر صوتًا، فقالت: أغثنا إن كان عندك غواثٌ؟
حيث أرسل الله جبريل عليه السلام يضرب بِقَدَمِه الأرض أو بجناحه، فظهر من ضربته الماء السَلسَبيل العذب وهو ماء زمزم، فجعلت أم اسماعيل تغرف منه بسقائها والماء يفورُ، وتقول زم زم. فشربت وشرب ابنها.
بعد أن سكنت هاجر زوج سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنها إسماعيل مكة، أرسل الله عز وجل قوما يأنسون إليها وتأنس إليهم وهم قبيلة جرهم فاتفقوا مع هاجر على أن يسكنوا معها ليؤنسوها ويكون الماء لها فقبلت.
وكان إبراهيم عليه السلام يزور أهله بمكة، وقد أحب ابنه إسماعيل عليه السلام حبًا شديدًا وتعلق قلبه به، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يختبر نبيه إبراهيم عليه السلام فأمره أن يذبح ولده الوحيد وفلذة كبده إسماعيل بعد أن كبر، وقد جاء هذا الأمر
في رؤيا رآها إبراهيم عليه السلام في المنام، ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، وقد تحدث القرآن عن هذه القصة في سورة الصافات.
فشب إسماعيل عليه السلام وتزوج من هؤلاء القوم بامرأتين، الأولى كانت عاقة، فأمره أبوه إبراهيم عليه السلام أن يطلقها بعد أن زاره واطمأن على أحواله، والثانية كانت بارة وفية مخلصة، فأمره أبوه أن يحافظ عليها.
أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أن يبني البيت العتيق هو وابنه اسماعيل، يَقولُ الله تَبَارك وتعالى في سورة الحج: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).
أمر الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ببناء البيت الحرام ” الكعبة” وبوأه الله مكانه أي أرشده إليه ودله عليه، وقيل إن الذي دله على موضع البيت هو جبريل عليه السلام، فسار إبراهيم عليه السلام إلى مكة المكرمة، فلما وصل إلى مكة وجد إسماعيل يُصلح نبلاً له وراء زمزم فقال له: يا إسماعيل إن الله قد أمرني أن أبني بيتًا، قال له إسماعيل: فأطع ربك، فقال له إبراهيم: قد أمرك أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل، فقام إبراهيم إلى مكان البيت، فجعل يَبْني وإسماعيل يناوله الحجارة، وكلما أنهيا بناء صف منها ارتفع مقام إبراهيم به حتى يَبني الذي فوقه، وهكذا حتى تم بناؤها.
ومقام إبراهيم هو حَجَر كان يقف عليه إبراهيم عند بناء الكعبة وضعه له ابنه إسماعيل ليرتفع عليه كلما ارتفع البناء، قال الله تبارك وتعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) سورة البقرة
والمقصودُ أن إبراهيم الخليل بَنَى أشرفَ المساجد في أشرف البقاع في وادٍ غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة وأن يُرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار وأن يجعله الله حرمًا ءامنا.
كذلك سأل إبراهيمُ عليه السلام الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويطهرهم. وقد استجاب الله تعالى دعوةَ نبيه إبراهيم فبعث في العرب وفي أشرف القبائل منهم رسولاً عظيمًا وهو سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين.
وعندما أكمل إبراهيم بناء الكعبة قال لابنه إسماعيل: إيتني بحجر حسنٍ أضعه على الركن فيكون للناس عَلمًا، فأتاه جبريل عليه السلام بالحجر الأسود فَأخذه وَوَضعه مَوضعه، فالحَجَر الأسود هو ياقوتة بيضاء من الجنة لكن لمّا تمسح به المشركون صار أسودَ.
وأن الكعبة هي أول بيت ومَسجد وُضع في هذه الأرض، وقد بنته الملائكة لآدم عليه السلام هو أول من طاف به، وقد انهدم بطوفان نوح عليه السلام الذي عم كل الأرض، قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) سورة آل عمران.
والكعبة وسط المعمورة وفوقها إلى السماء السابعة البيت المعمور وهو بيت مشرَّف هو لأهل السماء الملائكة كالكعبة لأهل الأرض، كل يوم يدخله سبعون ألف ملك يصلون فيه ثم يخرجون ولا يعودون أبدًا.
وبعد أن فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام مع إسماعيل أمره الله أن يؤذّن في الناس بالحج فأذن ودعاهم إلى حج بيت الله الحرام، وروي أنه نادى: أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، وخرج إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ولده إسماعيل وقاما بمناسك الحج، وروي أن جبريل هو الذي أرى إبراهيم كيف يحج.
فكان أول مسجد وضع للناس بمكة، يعبدون الله عز وجل فيه، ويطوفون حوله، ويسعون بين الصفا والمروة، فكان الناس على التوحيد واستمرت ولاية جرهم على الحرم فترة من الزمن، ثم ضعفت نفوسهم واستخفوا بحرمة البيت، واستحلوا الأموال التي تهدى إليه، وأكثروا المفاسد في الحرم، حتى يذكر أن رجلاً وامرأة يقال لهما اساف ونائلة وقعا في الفاحشة في البيت فمسخهما الله إلى حجرين .

وتاريخ العرب كان قتالاً في قتال، وبغياً في بغي، ونهباً يعقبه نهب، واغتصاباً يعقبه اغتصاب، ولكتاب السير والتاريخ تعليلات لكل موقف، ومبررات لكل قتال، وأسباب لكل اغتصاب، تجعل من القاتل بطلاً ومن المقتول مجرماً، ومن السارق شريفاً ومن المسروق منه مخادعاً ظالماً، ومن الظالم حكماً عدلاً، ومن المظلوم مجرماً معتديا.ً
دائماً نقرأ لهم مبررات للقوي، وأسباب لما قام به، فلقد كانت العرب تجعل من المنتصر إله لا يخطئ، ولأفعاله مبررات جاهزة دائماً، كانوا هكذا وما زالوا.
لما تولت جرهم أمر البيت استفردت بالأمر، وصارت الأموال تجبى إليهم وحدهم لا يشاركهم بها أحداً وصار حكم مكة لهم، استقرت الأمور على هذا الأمر، ولكن لا شئ يدوم، فلقد فكرت خزاعة وهي قبيلة أخرى، لماذا تستفرد جرهم بكل هذا المال، ولماذا تستأثر بالحكم، ولماذا لا يكن الحكم لهم، والأموال من نصيبهم؟
قررت خزاعة قتال جرهم والاستيلاء على حكم مكة، وكعادة العرب يتحالف بعضهم ضد بعض اليوم ثم يتحالفون ضد الآخر غداً، اجتمعت خزاعة مع بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، واتفقوا وأجمعوا أمرهم على التعاون لقتال جرهم والإستيلاء على ما بيدها من المال والسلطة وتعاهدوا على ذلك، وإن كنت ممن يقرأون بكتب السير والتاريخ فلن تجد ذماً لأي منتصر، بل كل الذم ملقى على المنهزم، وهذا ما نجده بالكتب تعليقاً على قصتنا هذه، وكانت جرهم قد بغت وظلمت بمكة.
لم يقتصر أمر خزاعة على الإنتصار وتولي أمر الحكم بمكة والحصول على كل الأموال، بل استداروا إلى حليفهم بالحرب ومساندهم ومن تعاهدوا معه على طرد جرهم ألا وهم بني بكر، فلم تسند خزاعة لبني بكر أي أمر ولم يحصلوا على أي أموال واستفردت خزاعة بالأمر واستقلت بالسلطة.
ما فعلته خزاعة هنا ليس بغريب على العرب فهم يتناسوا من عاونهم وأيدهم وساندهم حينما يتمكنون، وقد ينقلبوا عليه فيكن أول ضحاياهم بعد تمكنهم.
وكان عمرو بن لحي رئيسا لخزاعة، هو أول من أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب وكان العرب لا يعبدون الأصنام كانو على ملة إبراهيم عليه السلام.
أتى عمرو بن لحي الخزاعي بالأصنام من الشام إلى الحجاز، إذ سافر مرة من مكة إلى الشام فرأى أهل الشام يعبدون
الأصنام، فسألهم قائلا : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟
قالوا: نعبدها ونستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا
فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنما ً فأذهب به إلى بلاد العرب فيعبدوه ؟
فأعطوه صنما ً يقال له هُبل وهو الذي نصبوه حول الكعبة وبقي حولها إلى يوم الفتح الإسلامي
حيث حطم مع ثلاثمائة وستين صنما، وأبعدت فطهر البيت الحرام وطهرت مكة والحرم من هذه الأصنام


وكان عمر بن لحي محترما ً في مكة سيد قومه يشرع لهم فيقبلون شرعه، ويبتدع لهم ويستحسنون بدعته
فكان أول من بدل دين إبراهيم وإسماعيل في الحجاز.
وقال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: ( رأيت عمر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار إنه كان أول من غير
دين إسماعيل فنصب الأوثان)، وبسببه أنتشرت الأصنام في جزيرة العرب.
بارك الله لي ولكم في القران العظيم ونفعني وإياكم بهدي نبيه الكريم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.