سيرة الرحمة المهداة – الحلقة (1): قدر النبي عند الرب العلي

سيرة الرحمة المهداة – الحلقة (1): قدر النبي عند الرب العلي

الجمعة 23 ديسمبر 2016

زايو سيتي.نت :أياو حكيم

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبينا محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.ً
أما بعد:
أيها الاخوة والأخوات مشاهدي موقع زايو سيتي .نت مرحبا بكم في سلسلة جديدة بعنوان: سيرة الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم.
نبدأ اليوم إن شاء الله الحلقة الأولى بعنوان: ” قدر النبي عند الرب العلي”.

تعيش الأمة الإسلامية في هذا الشهر الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم أجواء من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
ولقد أصبح الاحتفال بالمولد النبوي عادة منتشرة في بلاد المسلمين يتكرر كل عام، وتقام الاحتفالات وتلقى الخطابات والمدائح النبوية وتذاع عبر وسائل الإعلام المختلفة ويشارك فيها الصالح وغير الصالح والمتحجبة وغير المتحجبة
ويكثر الاختلاط بين الرجال والنساء والتبرج. وإذا ما انسلخ هذا الشهر نسي الجميع هذا النبي صلى الله عليه وسلم.
نحتفل بأن نذكر الناس بحقائق السيرة النبوية وحقائق الرسالة المحمدية، فعندما أحتفل بمولد الرسول فأنا أحتفل بمولد الرسالة، فأنا أذكِّر الناس برسالة رسول الله وبسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه المناسبة أذكِّر الناس بهذا الحدث العظيم وبما يُستفاد به من دروس، لأربط الناس بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا 21) سورة الأحزاب
من يدعي حب النبي ولــــــم يفد من هديه فسفاحة وهراء
فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقا طاعة ووفـــــاء
وقد جرت العادة أن الدعاوي لا تقبل إلا ببينات، فالبينة على من ادعى، ولو يعطى الناس بدعواهم لاختل ميزان الحق والعدل.
إذا لابد من ظهور الشواهد الصادقة والمظاهر الواضحة لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعها بآثارها على السلوك والأفعال؛ وذلك لبيان أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم مقيد بضوابط تحكمه، ومحدد بعلامات تؤكد صدقه، وآثار تظهر على من اتصف به. وهذه العلامات والمظاهر كثيرة منها:
– طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه:
إن أقوى شاهد على صدق الحب أياً كان نوعه هو موافقة المحب لمحبوبه، وبدون هذه الموافقة يصير الحب دعوى كاذبة وأكبر دليل على صدق الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو طاعته واتباعه، فالاتباع هو دليل المحبة الأول وشاهدها الأمثل، وهو شرط صحة هذه المحبة، وبدونه لا تتحقق المحبة الشرعية ولا تتصور بمعناها الصحيح.
وطالما استغلت دعوى الحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أو حب الصالحين لتسويغ ألوان من البدع وضروب من الغلو وجعلها مقبولة طالما كان دافعها هذا الحب المزعوم.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم دليلاً على حبه سبحانه، فهو من باب أوفى دليل على حب النبي
صلى الله عليه وسلم، قال تعالى في سورة آل عمران: ( قُـلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
قال ابن كثير رحمه الله: هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ).
ولهذا قال تعالى: ( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تحِب إنما الشأن أن تُحَب.
وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ).
هذه هي محبة النبي صلى الله عليه وسلم، أما أن يجتمع الناس رجالا ونساء في يوم من أيام شهر ربيع الأول في كل عام ويتغنون
بحب النبي والله حب كاذب.
احذر يا من يدعي حب النبي من غير طاعته واتباعه، احذر بأنه قد يحال بينك وبين شفاعته صلى الله عليه وسلم.
لو عرفت الأمة الإسلامية قدر المصطفى صلى الله عليه وسلم لاتبعت أمره ولاجتنبت نهيه ولوقفت عند حدوده.
فالذي وَفىً قدر النبي صلى الله عليه وسلم وزكاه هو ربه سبحانه وتعالى فلقد زكَّاه ربه في كل شيء.
زكَّاه في عقله فقال سبحانه في سورة النجم: ( ما ضلَّ صاحِبُكُم وما غَوَى)، وزكَّاه في بصره فقال سبحانه في سورة النجم:
( ما زاغَ الْبصرُ وما طَغَى )، وزكَّاه في صدقه فقال سبحانه في سورة النجم: ( وما يَنْطِقُ عنِ الْهَوَى )، وزكَّاه في علمه فقال سبحانه في سورة النجم:( علَّمهُ شدِيدُ الْقُوَى ).
وزكاه في صدره فقال سبحانه في سورة الشرح : ( أَلَمْ نَشرحْ لَك صدْرك َ)، وزكاه في ذكره فقال سبحانه في سورة الشرح: ( ورفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ )، وزكاه في طهره فقال سبحانه في سورة الشرح: ( ووضعنا عنك وزرك).
وزكَّاه في حلمه فقال تعالى في سورة التوبة: ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )، وزكاه كله فقال سبحانه في سورة القلم:
( وإنك لعلى خلق عظيم).
ولقد خاطب الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء والمرسلين بأسمائهم المجردة إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
خاطب الله تعالى آدم عليه السلام في سورة البقرة فقال: ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة)، وخاطب نوحا عليه السلام في سورة هود فقال:( يا نوح اهبط بسلام منا)، وخاطب ابراهيم عليه السلام في سورة الصافات فقال:( يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا)، وخاطب موسى عليه السلام في سورة طه فقال:( يا موسى إني أنا ربك)، وخاطب عيسى عليه السلام في سورة
آل عمران فقال: ( يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَ)، وخاطب زكرياء عليه السلام في سورة مريم فقال:( يا زكرياء إنا نبشرك بغلام)، وخاطب يحيى عليه السلام في سورة مريم فقال: ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة)، وخاطب داوود عليه السلام في سورة ص فقال: ( يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض).
أما نبي الرحمة فقد خاطبه ربه بالنبوة والرسالة بقوله: ( يا أيها النبي)، ( يا أيها الرسول)
قال تعالى في سورة الأحزاب: ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا مبينا)
وقال تعالى في سورة المائدة:( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس).
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبه ناس من أصحابه أي كانوا يتناوبون في حراسته فلما نزل قول الله تعالى” والله يعصمك من الناس” قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، الحقوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني من الناس.
لقد عصمه ربه في حياته وبعد مماته، لقد حاول أعداؤه في حياته بقتله لكنهم لم يفلحوا، كما حاولوا إخراج جسده من قبره فلم يفلحوا.
إليكم قصة محاولة إخراج جسده صلى الله عليه وسلم من قبره لتعرفوا أن الله عصمه من الناس ولو بعد موته.
تعرّض قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مُحاولات نبش، وأشهرها ما كان في زمن السلطان العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي .
لقد خطط لهذه المحاولة بعض ملوك النصارى ونفذت بواسطة اثنين من النصارى المغاربة سنة 557هـ وقد كان تخطيط هذه المحاولة وتنفيذها بكل دقة ومهارة لكن قدرة الله فوق كل شئ وقد وعـد نبيه صلى الله عليه وسلـم بالحفـظ والعصمة فحفظه وفشلت محاولة النصارى، وقد ذكر المؤرخون تفاصيل هذه المحاولة فقال السمهودي: وقفت على رسالة قد صنفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى فرأيته ذكـر فيها ما لفظـه: وقـد دعتهـم أنفسهـم يعنـي النصارى في سلطنة الملك العادل نور الدين زنكي إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولـو كـــــره الكافرون، وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجُّد يأتي به بالليل وأوراد يأتي بها، فنام عقبَ تهجده، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنْجِدْني أنْقِذْني من هذين، فاستيقظ فزعا، ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضا مرة ثانية وثالثة، فاستيقـظ وقـال: لـم يبق نـوم، وكان لـه وزيــر مـــن الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي فأرسل خَلْفَه ليلا، وحكى له جميع ما اتفق له، فقال له: وما قعودك؟ اخرجِ الآن إلى المدينة المنورة، واكتم ما رأيت، فتجهَّز في بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرا، وصحبته الوزير المذكور ومال كثير فقدم المدينة في ستة عشر يوما، فاغتسل خارجها ودخــل فصلى بالروضة وزار، ثم جلس لا يـدري مـاذا يصنع فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد: إن السلطان قصـد زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحضر معـه أمـوالا للصدقة فاكتبوا من عندكم، فكتبوا أهل المدينة كلهم وأمر السلطان بحضورهم، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التـي أراهـا النبي صلى الله عليه وسلـم لـه فـلا يجـد تلك الصفة، فيعطيه ويأمره بالانصراف، إلى أن انقضت الناس فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئاً من الصدقة ؟ قالوا:لا، فقال: تفكروا وتأملوا، فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئاً، وهما صالحان غنيَّان يكثران الصدقة على المحاويج، فانشـرح صدرُه وقـال: عليَّ بهما فأتـي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليهما بقوله: أنجدني أنقذني من هذين، فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب، جئنا حاجَّين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اصْدُقاني، فصمما على ذلك، فقال: أين منزلهما؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة فأمسكهما وحضر إلى منزلهما فرأى فيه مالا كثيرا وخَتْمَتَين وكتباً في الرقاق ولم ير فيه شيئا غير ذلك فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير وقالوا: إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة البقيع كل يــوم بكــرة وزيارة قباء كل سبت ولا يرُدَّان سائلا قط بحيث سدَّا خلَّة أهل المدينة في هذا العام المجدب، فقال السلطان: سبحان الله ولم يظهر شيئا مما رآه، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه فرفع حصيرا في البيت فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صَوْب الحجرة الشريفة فارتاعت الناس لذلك، وقال السلطان عند ذلك: اصْدُقاني حالكما وضربهما ضربا شديدا، فاعـتـرفــا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بأموال عظيمة وأمروهما بالتحيل في شئ عظيم خيَّلتــه لهـم أنفسهم وتوهموا أن يمكنهم الله منه وهو الوصول إلى الجناب الشريف ويفعلوا به ما زيَّنه لهم إبليس في النقل وما يترتب عليه، فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة، وفعلا ما تقدم، وصارا يحـفـران ليـلا ولكـل منهما محفظة جـلــد على زي المغاربة، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته، ويخرجان لإظهار زيارة البقيع فيلقيانه بين القبور، وأقاما على ذلك مدة فلما قربا من الحجـرة الشريفـة أرْعَـدَتِ السمـاء وأبـرقـت، وحصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة. واتفق إمساكهما واعترافهما، فلما اعترفا وظهر حالهما على يـديـه، ورأى تأهيـلَ الله له لذلك دون غيره بكى بكاء شديداً وأمر بضرب رقابهما، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة، وهو مما يلي البقيــع المسمى الآن شباك الجمال، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم وحفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذاب ذلك الرصاص وملأ الخندق ثم عاد إلى مُلْكه.
لقد ورد في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة بيان عظم قـدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ورفعة مكانته عند ربه تعالى مـن خـلال الفضائـل الجليلـة والخصائص الكريمـة التي خصـه الله بها، مما يدل على أنـه أفضل الخلق وأكرمهـم علـى الله وأعظمهم جاها عنده سبحانه، قال الله سبحانه في سورة النساء: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)، وأجنـاس الفضل التي فضله الله بها يصعب استقصاؤها؛ فمن ذلك: أن الله عـز وجـل اتخـذه خليلا، وجعله خاتم رسله، وأنزل عليه أفضل كتبه، وجعل رسالته عامة للثقلين إلى يوم القيامة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأجرى على يديه من الآيات ما فاق به جميع الأنبياء قبله، وهو سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع، وبيده لواء الحمد يوم القيامة، وأول من يجوز الصراط، وأول من يقرع باب الجنة، وأول مـن يدخلها . . . إلى غير ذلك مـن الخصائص والكرامات الواردة في الكتاب والسنة، مما جعل العلماء يتفقـون على أن النبي صلـى الله عليه وسلم هو أعظم الخلق جاها عند الله تعالى، قـال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ” وقد اتفق المسلمون على أنـه صلى الله عليـه وسلم أعظـم الخـلـق جـاهـا عند الله، لا جاه لمخلوق أعظم من جـاهـه، ولا شفاعة أعظم من شفاعـتـه”.
ويوم القيامة كل الناس تصيح نفسي نفسي إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم ينادي أمتي أمتي.
فمما ذُكر وغيره يتبين أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء، بل وأفضل الخلق، وأعظمهم منزلة عند الله تعالى، ولكن مع هذه الفضائل والخصائص العظيمة فإنه صلى الله عليه وسلم لا يرقى عن درجة البشرية، فلا يجـوز دعاؤه والاستغاثة به من دون الله عز وجل ، كما قـال تعالى في سورة الكهف: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمـَا إِلَهُكـُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
أيها الاخوة والأخوات: يجب علينا جميعا أن نطيع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر ونبتعد عما نهانا عنه وزجر ونوقـره وندافع عنه وعن سنته وندعـو إلى ما دعى إليه وأن نعظمه.
قال تعالى في سورة الأحزاب: ( وما كـان لمؤمن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهـم)
وقال تعالى في سورة النساء: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله).
وقال تعالى في سورة الأحزاب: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يردو الله واليوم الآخر)
وقال تعالى في سورة النور: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجـلـت منهـا القلـوب وذرفـت منهـا العيـون فقلـنـا: يـا رسول الله، كأنها موعظة مودِّع، فأوصنا. قال: (أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ عز وجل، وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافَاً كَثِيرَاً؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِيْ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المّهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ). أخرجه أبوداود
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ( لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به، إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ).
قال الشافعي: أجمع المسلمون على أنَّ من استبان له سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحلّ له أن يدعها لقول أحد
وقد سار على هذا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وثبتوا عليه، فكانوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مُحبِّين طائعين، وكانت سُنته وقوله وهديه مُقدَّمةً عندهم على كلِّ شيء؛ فكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو الأول لا يُقدَّم عليـه كلام أحــدٍ من البشر كائنًا من كان.
كانوا عن السُنة منافحين، ولها حامين، فإذا رأوا أحدًا يعارضها أو يستهزئ بشيءٍ منها قصدًا أو بغير قصد وبَّخُوه وقرَّعوه وزجروه، ثم هجروه، لا يكلمونه ولا يساكنونه.
وبذلك حموا السُّنة عن كيد الكائدين وعدوان المعتدين. وكانوا بواجب النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائمين. ثم جاء بعدهم التابعون فساروا على طريقهم وحذوا حذوهم.
حتى إذا بَعُدَ الزمان، وطال بالناس العهد، وضعف الإيمان، وكثر الخبث والنفاق، وقلَّ الورع؛ فتجرَّأ كثيرٌ من الناس على القول والكلام، فقال كلٌّ بهواه، وتكلَّم بما لا يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الزمان، زمان الفتن التي يرقِّق بعضها بعضًا، رأينا العجائب والعظائم، رأينا أمورًا لا يسع أحدًا السكوت عنها بحال.
فمن ذلك السخرية والاستهزاء بالسُّنة النبوية، ومعارضتها بالعقول والآراء والرغبات والعادات، أو انكار سنة صحيحة ثابتة والتشكيك في حقيقة صدقها.
ويغفل كثيرٌ من الناس عن أمرٍ خطير، وهو أنَّ الاستهزاء بالدين كفر، سواء كان على سبيل اللعـب والهـزل والمـزاح، أو على سبيل الجد، فهو كفرٌ مُخرِج من الملَّة.
قال ابن قدامة: من سبَّ الله تعالى كَفَر، سواءٌ كان مازحًا أو جادًا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى، أو بآياته، أو برسلـه، أو كتبه.
لقد كان الصالحون الطيبون يغضبون على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيٍ أو قياسٍ أو استحسانٍ
أو قـول أحـدٍ من الناس كائنًا من كان، ويهجـرون فاعـل ذلك، وينكرون ذلك أشد الانكـار، ولا يسوغـون غـيـر الانقياد له والتسليم والتلقِّي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله.
ذكر عبادة بن الصامت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن درهمين بدرهم، فقال فلان: ما أرى بهذا بأسًا، فقال عبادة:
أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا أرى به بأسًا؟.. والله لا يظلُّني وإياك سقف أبدًا.
إنَّ الاستهزاء بالسُّنة والسخرية بها نذير شرّ، وشؤم. لأن الاستهزاء بها مناف للإيمان ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله التي ينعقد الإسلام بها، ومنافٍ أيضاً للتصديق بالكتاب والسنة واتباعهما، ومن تكنف اتباع الكتاب والسنة إنما يـتـبـع هواه وهذا عنوان الشقاء والنفاق، نسأل الله العافية.
قال تعالى في سورة النجم: ( إن تتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءكم من ربكم الهدى)
قال تعالى في سورة الجاثية: ( أفرايت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون 22).
قال تعالى في سورة التوبة: ( قلَ اَبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزءون 65 لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).
ولو تأملنا ما يقوله بعض المنتسبين للثقافة والإعلام اليوم مماً تسلل النفاق إلى قلوبهم، لوجـدنـا تطاولا عظيما على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والله المستعان.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: من رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة.
وقال ابن القيم رحمه الله: هل كان في الصحابة من إذا سمع نصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه بقياسه أو ذوقه
أو وَجْدِه أو عقله أو سياسته؟
وهل كان قط أحدٌ منهم يقدم على نصِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلاً أو قياسًا أو ذوقًا أو سياسة أو تقليد مقلِّد؟.
فلقد أكرم الله أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه من هذا حاله أو يكون في زمانهم.
ألا فاتقوا الله عباد الله وافزعوا إلى مولاكم الكريم بما أمركم به من دعوته، وحضَّكم عليه من مسألته وقولوا :
( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لنك رحمة إنك أنت الوهاب).
فاللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزفنا اجتنابه ونسأله تعالى أن يجمعنا بنبينا يوم القيامة في الفردوس الأعلى وأن يسقينا بيديه الشريفتين شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا.
بارك الله لي ولكم في القران العظيم ونفعني وإياكم بهدي نبيه الكريم،
وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.