درس ديني تحت عنوان “وصف الجنة ونعيمها” للداعية الإسلامي حكيم أياو

درس ديني تحت عنوان “وصف الجنة ونعيمها” للداعية الإسلامي حكيم أياو

الجمعة 9 ديسمبر 2016

زايو سيتي.نت: أياو حكيم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته و صلى اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين، وبعد.
أيها الاخوة والأخوات زوار موقع زايو سيتي.نت مرحبا بكم في هذا اللقاء الأخير من سلسلة السفر إلى الدار الآخرة بعنوان
” وصف الجنة ونعيمها”.

إن الحديث عن الجنة يطول لكنه يحرك القلوب إلي أجل مطلوب، فأول من وصف الجنة هو ربها عز وجل ثم نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم.
– عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل ومن يأبى
يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري
معناه أن أمته التي تطيعه وتتبع سبيله تدخل الجنة، ومن لم يتبعه فقد أبى، من تابع الرسول صلى الله عليه وسلم ووحد الله واستقام على الشريعة فأدى الصلوات وأدى الزكاة وصام رمضان وبر والديه، وكف عن محارم الله من الزنا وشرب المسكرات وغير ذلك فهذا يدخل الجنة، لأنه تابع الرسول صلى الله عليه وسلم، أما من أبى ولم ينقد للشرع فهذا معناه قد أبى، معناه أنه امتنع من دخول الجنة بأعماله السيئة، هذا هو معنى الحديث، فالواجب على المسلم أن ينقاد لشرع الله، وأن يتبع محمداً عليه الصلاة والسلام فيما جاء به، هو رسول الله حقاً، وهو خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، قد قال الله في حقه:
( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)، فاتباعه صلى الله عليه وسلم من أسباب المحبة، محبة الله للعبد، ومن أسباب المغفرة، ومن أسباب دخول الجنة. أما عصيانه ومخالفته فذلك من أسباب غضب الله ومن أسباب دخول النار، ومن فعل ذلك فقد أبى، من امتنع من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أبى، فالواجب على كل مسلم؛ بل على كل أهل الأرض، من الرجال والنساء والجن والإنس الواجب عليهم جميعاً أن ينقادوا لشرعه صلى الله عليه وسلم، وأن يتبعوه وأن يطعيوا أوامره وينتهوا عن نواهيه وهذا هو سبب دخول الجنة، قال الله جل وعلا: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله)،
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على كل عاقل وعلى كل مسلم، أن يوحد الله، وأن يلتزم بالإسلام، وأن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ويطيع أوامره وينتهي عن نواهيه فهذا هو سبيل الجنة وهذا هو طريقها، ومن امتنع من هذا فقد أبى.
أحبتي في الله تعالوا نقف وقفة يسيرة مع مصف الجنة ونعيمها:
– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) ثم تلي النبي صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) حديث قدسي.
– عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ 🙁 الْجنَّةُ لَبِنَةٌ مِنْ ذهب وَلَبِنَةٌ مِنْ فضة وَملاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ ولا يَبْأَسُ وَيَخْلُدُ ولا يَمُوتُ لا تَبْلَى ثِيَابُهُ ولا يَفْنَى شَبَابُهُ)
توجد على وجه هذه البسيطة أبنية فخمة وقصور مشيدة ومساكن وغرف..لكنها مهما علا قدرها وجمالها ومهما تطاول بنيانها وعلوها لا تشبه ما في الجنة من مساكن وبنايات إلا في الاسم فقط ، ففي الجنة من سحر المساكن وجمال القصور وتعالي الغرف وتلألؤ الخيام,ما تقر به العين وتسكن إليه النفس وكيف لا وخيامها من لؤلؤ، وقصورها من ذهب وفضة وفيها من فاخر الأثاث وكواعب النساء وطيب الشراب ولذيذ الطعام مالا يخطر ببال أو يدور في الخيال ، وتأمل في الحديث القدسي والحديث النبوي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد ، ودرر الفرائد.
وقد أعد الله لأهل الجنة طعاما وشرابا ولباسا ونساء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
– ثبت في السنة الصحيحة أن ضيافة أهل الجنة أول دخولهم لها ” زيادة كبد حوت “، وذلك في حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن حبرا من أحبار اليهود جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم يختبره عن بعض المسائل ، فجاء في حديثه:
قَالَ الْيَهُودِيُّ : فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ؟
قَالَ : زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ
قَالَ : فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا ؟
قَالَ : يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا
قَالَ : فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ ؟
قَالَ : مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا …إلى آخر الحديث
رواه مسلم
قال الإمام النووي رحمه الله
قوله : ( فما تحفتهم ) وهي ما يهدى إلى الرجل ويخص به ويلاطف.:
أما النون فهو الحوت باتفاق العلماء.. وأما زائدة الكبد وهي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد ، وهي أطيبها.
وقد ورد إثبات ذلك أيضا في أحاديث أخرى في الصحيحين والسنن ، وإنما انتقينا هذا الحديث لما فيه من تفرقة بين أول ضيافة أهل الجنة ” تحفتهم ” التي هي زيادة كبد الحوت ، وبين غذائهم الذي به يغتذون بعدها ، والذي هو لحم ثور الجنة.
أما فوائد زيادة كبد الحوت الطبية في طعام أهل الدنيا فهي كثيرة ، يعتني بذكرها الأطباء والمتخصصون في التغذية ، ويذكرون من ذلك : تخفيض نسبة الكولسترول في الدم ، وتخفيض الدهون في الجسم ، وتخفيف آلام المفاصل ، وهو غني بفيتامين (د) الذي له فوائد كثيرة، ومن أراد التوسع في ذلك فعليه بالمراجع المختصة في هذا الشأن.
وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون

ويتخيرون أنواعا من الفواكه ويأكلون أنواعا من اللحوم وخاصة لحم الطير الذي يشتهونه ( وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون)، ويشربون من عيون الجنة وأنهارها الكثيرة المختلفة الطعوم والمشارب كعين السلسبيل والكافور والتسنيم

قال تعالى في وصف أنهار الجنة: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ)

سورة محمد.


إن الذين اتقوا في الدنيا عقاب الله بأداء فراضه واجتناب معاصيه، أعد لهم جنة فيها أنهار من ماء غير متغير، غير منتن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يحلب من حيوان فيغير طعمه بالخروج أو لمدته ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار، فهو بهئئته لم يتغير عما خلقه الله عليه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، يتلذذون بشربها ، خمر لا تذهب العقل ولا تصدع الرأس، وأنهار من عسل مصفى، خلق في أنهار ابتداء سائلا جاريا قد سفاه الله، ولهؤلاء المتقين جميع الثمرات التي تكون في الأشجار وعفو من الله لهم عن ذنوبهم التي أذنبوها في الدنيا، ثم تابوا منها.

وفي الجنة شجرة واحدة يسير الراكب في ظلها 100 سنة لا يقطعها، ففي الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال: ( إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها فاقرأوا إن شئتم وظل ممدود).
و أهل الجنة يلبسون فيها الفاخر من اللباس، ويتزينون فيها بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ، فمن لباسهم الحرير، ومن حلاهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ، ومن ألوان الثياب التي يلبسونها الخضر من السندس والاستبرق، ولباسهم أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان.
إضافة إلى الطعام والشراب واللباس يزوج الله أهل الجنة بنساء أهل الجنة، قال تعالى: ( وزوجناهم بحور عين) سورة الدخان.
– عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( وما في الجنة أعزب) رواه مسلم
والحوراءُ: هيَ المرأةُ البيضاءُ، والعيناءُ هيَ المرأةُ واسعةُ العين،ِ شديدةُ بياضِها، شديدة ُ سوادِها، فيهنَّ مِنَ الحُسْن ِ والجمال
ما لا يعلَمُهُ إلا الله، وقد وردَ في الأثر: ِ خيّراتُ الأخلاقِ، حِسَانُ الوجوه، قال تعالى في سورة الرحمان: ( فيهن خيرات حسان).
قالَ بنُ القيم -رحمه الله:
فِيهِنَّ حُوْرٌ قَاصِرَاتُ الْطَّرْف ِ خَيـ *** ــراتٌ حِسانٌ هُنَّ خَيْرُ حِسانِ
خيْراتُ أخلاقٍ حِسانٌ أوجُهاً *** فالحُسْنُ والإحسانُ مُتَّفِقانِ
والمرأة في الجنَّه كأنَّها في الصفاء والرِّقَة الغشاوة ُ التي تأتي على ظهر ِ البيض ِ مما يلي القشرَ إذا سُلِقَ وكُسِرَ، سواء مِنَ
الحور ِ في الأخرى أو مِنْ المؤمنات ِفي الدنيا، قال تعالى في سورة الصافات: ( وعندهم قاصرات الطرف عين، كأنهن بيض مكنون).
وكأنَّها في الحُسْن ِ والبهاءِ والجمال ِ والصفاءِ الياقوتُ والمرجان، سواء مِنَ الحور ِ في الأخرى، أو مِنَ المؤمنات ِفي الدنيا؛
قال تعالى في سورة الرحمان: ( كأنهن الياقوت والمرجان).
قال ابن القيم -رحمه الله:
الرِّيحُ مِسْكٌ والجُسُومُ نواعِمٌ *** واللَّونُ كالياقوتِ والمـَرْجانِ
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ : ( ينظرُ إلى وجهِهِ في خدها أصفى مِنَ المرآةِ، وإنَّ أدنى لؤلؤةٍ عليها لتضيءُ ما بينَ المشرقِ، والمغربِ، وإنَّها يكونُ عليها سبعونَ ثوباً ينفذُها بصرُهُ حتى يرى مخَ ساقِهِا مِنْ وراءِ ذلك) رواه الحاكم.
وقال ابن القيم -رحمه الله:
وَكِلاهُما مِرْآةُ صاحِبِهِ إذا *** ما شاءَ يُبْصِرُ وجهَهُ يرَيانِ
فيرى محاسنَ وَجْهِهِ في وَجْهِها *** وتَرى محاسِنَهَا بِهِ بِعَيَانِ
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم قَال: ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنْ الْحُسْنِ) رواه البخاري
فا لمؤمن ُ يَرَى مخَّ ساقِ زوجتِهِ من وراءِ سبعينَ ثوبا.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة يبدو مخ ساقها من وزرائها) رواه الترمذي وصحح الألباني
ويَرَى مخَّ ساقِ زوجتِهِ منْ وراءِ اللحم والعظم ِ كما نَرَي الشرابَ الأحمرَ منْ وراءِ الزجاجةِ البيضاءِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْم) رواه البخاري
: يرى مخ ساقها من وراء اللحم كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء) وعَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه أَنَّ رواه الطبراني

وقال ابن القيم -رحمه الله:
سَبعونَ مِنْ حُلَلٍ عليها لا تعُو *** قُ الطَّرْفَ عن مُخٍّ ورا السِّيقانِ
لكنْ يراهُ مِنْ ورا ذا كُلِّهِ *** مثلَ الشّرابِ لدى زُجاجِ أواني
والمرأة ُ في الأخرى لو خرجتْ إلى الدنيا لأضأتْ ما بينَ السماءِ والأرض، ولملأتْ ما بينَهما ريحاً طيبا، ولَنصيفُها على رأسِها خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها؛ سواء مِنَ الحُور ِ في الأخرى أو مِنَ المؤمناتِ في الدنيا؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ( لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَملأتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) رواه البخاري
وقالَ ابنُ القيمِ رحمه الله:
ونَصِيْف ُ إِحْدَاهُنَّ وهْوَ خِمَارُهَا *** لَيْسَتْ لَهُ الدُّنْيَا مِنَ الأَثْمَان
والمرأة ُ في الجنَّةِ، سواء مِنَ الحورِ في الأخرى أومِنَ المؤمناتِ في الدنيا، قدْ طَهُرَتْ مِنَ الحيض ِ والنُّفاس ِ والبول ِ والغائط
والبصاق ِ وكلِّ أذىً وقذىً، قال تعالى في سورة البقرة: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله:
لاَ الحَيْضُ يَغْشَاهَا وَلاَ بَوْلٌ وَلاَ *** شَيءٌ مِنَ الآفَاتِ فِي النِّسْوَان ِ
وكلامُ الحوراءِ سِحْرٌ بلا مِراء. قالَ بنُ القيمِ رحمه الله:
وكلامُها يسبي العقولَ بنغْمَةٍ *** زادتْ على الأوتار والعيدانِ
وتتغنى الحوراء للزوجِ بغناء: تطربُ لهُ القلوبُ، وتلتذُّ بِهِ الأرواح، جعلَهُ اللهُ للمؤمنينَ في الأخرى الذينَ تركوا الغناءَ في الدنيا.
قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله:
قال ابنُ عبَّاسٍ ويُرسِلُ ربُّنا *** ريحاً تهُزُّ ذوائب الأغصانِ
فتُثيرُ أصواتاً تلَذُّ لمَسْمَعٍ الْـ *** إنسانِ كالنَّغَماتِ بالأوزان
يا لَذَّةَ الأسماعِ لا تتعوّضي *** بلذاذةِ الأوتار والعيدانِ
والمؤمنُ يجامعُ زوجتَهُ في الجنَّةِ كما يجامعُ زوجتَهُ في الدنيا؛ قَالَ تعالى في سورة يس:
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ))
وقالَ ابنُ القيم ِ -رحمه الله:
ولقد روينا أنَّ شغْلَهُمُ الّذي *** قد جاءَ في ياسينَ دونَ بيانِ
شُغْلُ العروسِ بعرْسِهِ من بعد ما *** لعبتْ به الأشواقُ طولَ زمان
والشوقُ يُزعجه إليه وما له *** بوصالِهِ سببٌ من الإمكان
وليسَ لأهلِ الجنَّةِ عملٌ سوى الطعامِ والشرابِ وفكِ الأبكارِ على شواطىءِ الأنهار، قال تعالى في سورة الصافات:
( لمثل هذا فليعمل العاملون)
وزوجة المؤمن في الجنة أفضل من حور العين، فإن الزوجين إذا دخلا الجنة تبدل أوصاف كل واحد منهما
إلى السرور التام، الذي لا تنغيص فيه بوجه من الوجوه وهذا من معاني ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة: ( وأدبله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه).
وأفضل ما يتمتع به أهل الجنة في الجنة بعد الطعام والشراب والثياب والزوجات والأنهار والعيون، النظر إلى وجه الله تعالى
كما قال تعالى في سورة القيامة: ( وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة )

أي أن وجوه المؤمنين تكون حسنة بهية مشرقة مسرورة بسب نظرها إلى وجه ربها كما قال الحسن البصري رحمه الله : نظرت إلى ربها فنضرت بنوره.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: “(وجوه يومئذ ناضرة ) قال : من النعيم ( إلى ربها ناظرة ) قال تنظر إلى وجه ربها نظراً وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث.

وقال جل شأنه: ( لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ) سورة ق.

فالمزيد هنا هو: النظر إلى وجه الله عز وجل. كما فسره بذلك علي و أنس بن مالك رضي الله عنهما.

وقال سبحانه في سورة يونس: ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة )

فالحسنى الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم ، كما فسرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم في صحيحه عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وهي الزيادة ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآية ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).

فإذا علمت أن أهل الجنة لا يعطون شيئاً فيها أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم جل وعلا تبين لك مدى الحرمان ، وعظيم الخسران ، الذي ينتظر المجرمين الذين توعدهم الله بقوله: ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) سورة المطففين

نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد.