خطاب العرش 18.. قراءة شبه موضوعية

خطاب العرش 18.. قراءة شبه موضوعية

الجمعة 4 أغسطس 2017

بقلم د. محمد بالدوان
bouddiouan76@gmail.com

ما يجري اليوم من تطورات سياسية وما يرافقها من غموض وخلط للاوراق جعل خطاب العرش 18 يتحدث في المقدمات عن « مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها ».
ولذلك انبرى الخطاب على توضيح كل المفارقات الصارخة بلغة واضحة لا تحتاج إلى تأويل أو تحليل، ولا تترك لمن يخلط الاوراق ويسعى في الناس بالتضليل أن ينجح هذه المرة بمسعاه إذ قال العاهل بتعبير غير معتاد: « فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للإستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة. أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الإختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه. »
واستطرد الخطاب في عرض المفارقات وحِدّتها على مستويات التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية والقطاعين العام والخاص، ليكشف عن تشخيص قاتم لواقع الادارة العمومية بعد أن استشرت في أوصالها أطر غير كفأة وصارت عاملا يعيق جلب الاستثمار حيث قال بالحرف عن المراكز الجهوية للاستثمار بأنها » تعد، باستثناء مركز أو اثنين، مشكلة وعائقا أمام عملية الاستثمار ».
ثم يصل الخطاب إلى مخرجات هذا التشخيص برصد أثره السلبي على المواطنين في الجهات إذ يقول: « وهو ما ينعكس سلبا على المناطق، التي تعاني من ضعف الاستثمار الخاص، وأحيانا من انعدامه، ومن تدني مردودية القطاع العام، مما يؤثر على ظروف عيش المواطنين ».
بل إن الخطاب وجه تحذيرا ووعيدا صريحا إلى المنتخبين والمسؤولين الذين يعرقلون مسار التنمية خدمة لمصالحهم الخاصة وذلك بالقول: » كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة ، وإما أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون. ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين، وأنا أزن كلامي ، وأعرف ما أقول … لأنه نابع من تفكير عميق. »
ثم يثير التساؤلات المحرجة والدالة على صعوبات المحاسبة وإلحاق العقاب بمن يستحق: « ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم، رغم أنهم يؤدون القسم أمام الله، والوطن، والملك، ولا يقومون بواجبهم؟ ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟ »
ثم شدد على ضرورة التفعيل الكامل لمبدأ « ربط المسؤولية بالمحاسبة » وتنزيله على الجميع بدون تمييز وفي كل جهات المملكة مع التأكيد على إغلاق كل أبواب المناورة للتهرب من المسؤولية والافلات من العقاب. وما يكرس نَفَس المحاسبة في الخطاب إلحاق وصف الخيانة بكل من عمل على تعطيل المشاريع التنموية أو الاجتماعية.
واسترسل الخطاب بانتقاد الفاعل الحزبي العاجز عن أداء مهامه التدبيرية والتأطيرية، والمنشغل بتعزيز رصيده السياسي والحسابات السياسية الضيقة، والمغيب لواجبه الوطني في تأطير الساكنة وحل مشكلاتها، ثم خلص إلى أن هذا الفراغ الخطير الذي صنعه الفاعل الحزبي مؤخرا، ودقق بذكر حراك الحسيمة، وضع قوات الأمن والساكنة وجها لوجه. لكن لم يفت الخطاب التنويه إلى وجود مسؤولين إداريين وسياسيين شرفاء « صادقون في حبهم لوطنهم، معروفون بالنزاهة والتجرد، والالتزام بخدمة الصالح العام ».
وأيا كانت طبيعة الفاعل وكيفما كانت مستويات الاخلال بالمسؤولية فإن رئيس الدولة لن يقبل « بأي تراجع عن المكاسب الديمقراطية »، ولن يسمح « بأي عرقلة لعمل المؤسسات » « وعلى كل مسؤول أن يمارس صلاحياته دون انتظار الإذن من أحد »، وإذا عجز عن القيام بمهامه فإمكانه أن يستقيل.
ما فتئت الخطابات الملكية تؤكد بعزم على تغيير الوضع، لكن في نفس الوقت تشي بعض مقاطعها عن عقبات تعترض التنفيذ، والواقع بعد كل خطاب دائما يثبت ذلك، لكن خطاب العرش 18 أخذ مسافة معقولة بين كل الفاعلين، وكان أكثر وضوحا وصرامة، وحافلا بالاشارات والمقاربات التي تَعِد بتجاوز المعيقات، لكن في نفس الوقت اكتنف مقاطع أخرى منه غموض غير مبرر، فهل يفَسَّر ذلك لصالح قوى الاصلاح أم لصالح قوى النكوص؟