حال الرأي العام المغربي المعاصر

حال الرأي العام المغربي المعاصر

الثلاثاء 7 نوفمبر 2017

بقلم: رامية نجيمة

بيين فينات وأخرى تظهر على الساحة حوادث تشغل الرأي العام المغربي، وتُشعل المواطنين ليدلوا بدلوهم باحثين عن أصل المشكل، ولأن الحقيقة الواحِدة مُتشظية متعددة الأبعاد، فإن كل فرد يقرأ الواقع انطلاقا من زاويته الوحيدة، وهو ما يؤدي غالبا إلى الخلاف الشديد الراجع إلى تباين وجهاتِ نظرٍ، هي على الأرجح، صحيحة كلّها ما دام الواقع الراهن هو سببٌ ونتيجة وجزء من تفاعلات اجتماعية وسياسية وتاريخية لا بد أن يتمخّض عنها مع مرور الوقت واقع جديد مِن الصعب حقا التنبؤ بما سيكون عليه.

إن عملية رد الأحداث التي تطرأ على المجتمع إلى سببٍ أو مجموعة أسباب مع الاعتقاد أنها ليست فقط السبب المباشر المؤدي إلى الحادثة السلبية بل السبب الوحيد أيضا، هي مِن دلائل ما يطلِق عليه إدغار موران التفكير البسيط والمتمثل في دراسة حالة أو ظاهرة ما دون اللجوء إلى الإحاطة بكل الجوانب المحيطة بها والمتفاعلة معها في تغافل واضح عن تعقيد الواقع والقوانين التي تحكمه.

إلباس الأحداث المجتمعية صبغة العلوم التجريبية والإصرار على أن هذا الحدث هو نتيجة حدث آخر أو مجموعة أحداث أخرى، استنادا إلى مبدإ السببية هي الخلاصة التي يمكن أن يتحصّل عليها الملاحظ للطريقة التي يستخدمها جلّ المغاربة في تحليلهم لأي حدث طارئ يخلّف لديهم استنكارا جماعيا.

إنهم لا يبحثون عن السبب الرئيس الوحيد كلّ بحسب وجهة نظره فقط، وإنما أيضا يقوم كل فرد منهم بالتشريع لمجموعة من العقوبات التي ستتكفل، في نظرهم، بالحد من استشراء ظاهرة سلبية ما. هذه العقوبات لا علاقة لها بمرجعية دينية كانت أو حداثية، وهي في الغالب تميل إلى تبني نوع من العنف يتجاوز العنف المراد التخفيف من انتشاره.


ما يتناساه أغلب المغاربة في محاولة فهمهم وتفسيرهم لهذه الظواهر، أو ما يتعاملون معه باعتباره حدثا هامشيا هو أننا نعيش في ما يُطلق عليه “العالم الثالث”، وهو وصفٌ حصدناه ليس لأننا متخلفين كأفراد ولكن لأننا ننتمي إلى أمم قد تخلّفت مِن عدة نواح في سيرورة التقدم عن بلدان أخرى تنتج العلم والفكر، وتصنع وتخترع وتكتشف، ويُعدّ الإنسان/المواطن هو القيمة الأولى والجوهرية في منظومتها القيمية.

إدراك حقيقة أننا متخلفين -كأمة وليس كأفراد- هو المفتاح الأساسي الذي يفترض أن يكون في حوزة المتأمّل لهذا الانحدار الكبير الذي تعرفه منظومتنا الأخلاقية. أحداثٌ كمحاولة اغتصاب فتاة داخل حافلة عمومية، والاعتداء على مدرس داخل القسم مِن قِبل تلميذ له، لا يجب أن يُنظر إليها بمعزل عن أحداث/ظواهر أخرى: انتشار الفقر، أطفال الشوارع، العنف الأسري، الفساد الإدراي، البطالة، الغلاء، الأمية، التفكير في الهجرة.. إلخ وغيرها في تفاعلها مع المنطلقات الفكرية التي تؤسس وعي المغاربة: نظرتهم إلى ذواتهم، تفاعلهم مع السلطة، فهمهم للدين، ثم علاقة هذا المواطن/الإنسان المغربي بالعالم العربي/الإسلامي/الإفريقي، الذي يُعاني بمجمله، بلا استثناءات من ظاهرة التخلف وما تجرّه معها، وما ينتج عنها من ويلات تساهم هي الأخرى في تكريس المزيد من التخلّف مما يجعل الأمر شبيها بحلقة بلا بداية ولا نهاية، فإما تكسيرها والخروج منها كلّها أو البقاء فيها كثَور الساقية.

هل يشعر التلميذ في قسمه أنه في قسمه؟ وهل يشعر المواطن في وطنه أنه في وطنه؟ هل يشعر المريض في المستشفى أنه بين أيدٍ أمينة؟ وهل يشعر المشتكي في مخفر الشرطة أنه بين أناسٍ سيبذلون ما في وسعهم من أجل إنصافه؟

اعتداء المدرس على تلميذه أو اعتداء التلميذ على مدرسه في الدول التي تحترم الإنسان ظاهرتان لا اختلاف بينهما.. فالأستاذ والتلميذ بينهما علاقة تفاعلية (وهذا ما يعترف به نظامنا التعليمي الراهن)؛ علاقة أخذ وردّ قطعت العلاقة مع التعليم الهرمي حيث الأستاذ مُلقِّن و التلميذ مُتلقّ، والطرفان: الأستاذ والتلميذ مواطنان متساويان في الوطنية والإنسانية وبالتالي مِن غير المقبول أن يعتدي أحدهما على الآخر. كما أنه مِن غير المقبول في هذه الدول أن يقطع التلميذ في الوسط القروي مسافة قد تصل إلى كيلومترات على قدميه في سبيل الوصول إلى مدرسة التي هي في الأصل عبارة عن بناية متآكلة يعدّ المدرّس في عين مرتاديها من التلاميذ جزءا لا يتجزأ منها. إن كل ما يمس الإنسان رجلا أ و امرأة، طفلا أو بالغا، مدرسا أو تلميذا، معتقلا أو شُرطيا، متهما أو قاضيا، طبيبا أو مريضا، مثقفا أو بسيطا، غنيا أو فقيرا، حاكما أو محكوما.. يمس الدولة التي تحميه بشكل مباشر. والإنسان بغضّ النظر عن وضعه الاجتماعي والعلمي هو إحدى لَبِنات الدولة، كل لبنة تتفكك، أو تتزحزح من مكانها سينتج عنها شرخ في جدار الدولة لا يُرمّمه إلا إعادة الاعتبار للّبنة المفقودة.

ما زلت أعتقد أننا لسنا سيئين طالما أننا قادرين على الإحاطة بسلبيات مجتمعنا واستنكارها. أما النزوح إلى العنف فإنه يجب النظر إليه باعتباره النزوح الأخير الذي يمارسه إنسان يشك أنّ ثمة سلطة رادعة يمكن أن تحميه وتدافع عنه حين يكون مظلوما، وتنتقم منه وتنزل به العقوبات حين يكون ظالما.

وكذا فإن الإنسان/المواطن الذي يمسك قِطّا مِن ذيله ويضربه مع الحائط ثم يذبحه ويسلخ جلده (ظاهرة منتشرة عند بعض المراهقين)، ليس من المستبعد أن يعتدي على إنسان مثله واضعا نفسه في مرتبة الحيوان بخوضه حربا يكون فيها البقاء للأقوى (وليس للأصلح).

عندما تغيب السلطة (سلطة الدولة،الأب،المدرس..) حين لا ينبغي ذلك، نصبح قريبين من مجتمع الغاب حيث الفرد آكل أو مأكول، قاتل أو مقتول.. أو كما يصفه هوبز في عبارته الشهيرة “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”.

ولكننا متخلفين، وهذا التخلّف لا يمسنا كأفراد، وإنما كمجتمع متكامل. وإنه لمن المؤسف حقا أن نتجاهل ونحن نخوض الألفية الثالثة التساؤل حول أسباب تخلّفنا وهو سؤال سأله مثقفونا في بدايات القرن العشرين، هذا التجاهل المقصود يحمل في عمقه الكثير من اليأس حول إمكانية معرفة الإجابة، ثم حول إمكانية إحداث التغيير في حال معرفتها، كما يحمل في طياته نوعا من الخنوع والرضا بما قُدّر لنا أن نكون في أذيال العالم، فنكتفي ببعض الفرح حين نسافر أو نهاجر إلى إحدى تلك الدولة المتقدمة ونقنع بتلك الصور التي نلتقطها بين معالمها كأن مجرد انتقالنا في المكان (من العالم المتخلّف إلى نظيره المتحضّر) سيغير من وضعنا كشعوب متخلفة تتبعنا سمة التخلف حيثما حللنا، ويواجهنا بها أبناء الأمم الأخرى حتى أولئك الذين قد نتفوق عليهم (كأفراد) معرفة ومَردودية.

التعرف على ظاهرة سلبية معينة من أجل إيجاد حلول لها يقتضي أولا تأمل الظاهرة وتفاعلاتها مع ظواهر مجتمعية سلبية أخرى. لا يمكن أخذ ظاهرة معينة وتحليلها بمعزل عما يحيط بها من أحداث وطنية وأممية. وإلا فإن ذلك تسرع في البحث عن حلول ترقيعية لا جذرية طالما لا تحلّل المشكل من منبته المتفاعل بدوره مع مشاكل أخرى.

إننا لسنا سيئين، ولكننا متخلفين، متخلفين حتى في طريقة تحليلنا لمآسينا.. وفي تجاهلنا لهذا التخلّف الذي يشكل حلقة من الدخان الأسود الذي يصب بالسواد كل ما يوجد داخله.

يجب أن نتوقف عن لوم حالات فردية هنا وهناك كأنها هي المسؤولة –إن صحّت هذه المسؤولية- وحدها لا شريك لها عن كل مآسينا. كما أن لوم العصر الذي نعيشه فيه وإن كان مقبولا في الأدب من باب المجاز، فإنه مرفوض في ميزان التفكير المنطقي والسليم ذلك أن الزمان ليس إلا إطارا للفعل الإنساني لا دخل له في تحريكه كما أننا باستحضار ضئيل لماضينا سنتذكر أنّ الحوادث الشاذة التي ننتقدها اليوم كانت تحدث حتى فيما مضى، غير أن ضعف وسائل الإعلام حينئذ عتّم عليها وجعلها لا تغدو أكثر من حالات فردية لا يعرفها حقا إلا من عايشوها. ثم إنه يجب علينا أن نتوقف عن الاندهاش والدخول في حالة من الرهبة والتشتت وفقدان البوصلة كلما ظهر في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثق لحادثة ترفضها أخلاقنا وضمائرنا، كأننا لم نكن نعلم أن مثل هذه الأمور تحدث (ونحن في الواقع نعلم ولكننا نتظاهر بعكس ذلك !) ويحدث أكثر منها وأفظع في أمة متخلفة ترزح تحت ثقل مجموعة من الظواهر الخفيفة على اللسان الثقيلة جدا في وقعها على القلب والضمير الإنساني.

يجب أن يكون لنا قدر من الجرأة لتقصّي سبيل شكيب أرسلان ونطرح هذا السؤال لكن بمعطيات القرن الواحد والعشرين وبسمات تخصّ مجتمعنا في كل من بُعديه التاريخي والجغرافي: لماذا تخلّف العرب/المسلمون/الأفارقة.. وتقدّم غيرهم؟ لا نطرح السؤال لنبحث عن جواب مباشر بسيط متمثل في أننا تخلّفنا لأننا نفعل كذا أو لأنه من صفتنا كذا، لأن هذا سيكون من قبيل التفكير البسيط الذي دبجنا المقال باستنكاره وانتقاده، ولكننا نطرحه حتى تتوجه عقولنا مبدئيا إلى التأمل والتحليل والغوص العميق في كل جذور المشكل وتجلياته، عوض الإتيان بحلول جاهزة يمكن تشبيهها بالملابس الجاهزة ذات المقاس الموحّد (taille standard) التي عوض أن تناسب مقاس كل إنسان على حدة تفرض على الإنسان أن يطول أو يقصر أو يسمن أو ينحف (وتلك مشكلته الخاصة) تبعا لمقياس السوق العالمي.