تقاعد مغاربة هُولندَا تحوّل من نعمة إلى نقمة

تقاعد مغاربة هُولندَا تحوّل من نعمة إلى نقمة

الأربعاء 15 أكتوبر 2014

 

هل تتقاضى تقاعدا آخرا غير تقاعد الشيخوخة؟، هل تتقاضى تقاعدا من دولة أخرى غير هولندا؟، من يتوصل بتعويض التقاعد الخاص بك.. أنت أم شريكك في الحياة؟، هل تملك منزلا، قطعة أرضية، أو نوعا آخرا من العقار في هولندا أو في بلد آخر؟، ما هي قيمة العقار، و أين يوجد، وما هو عنوانه؟، ما هي القيمة المالية لأثاث منزلك في هولندا؟، ما هي القيمة المالية لأثاث منزلك خارج هولاندا؟، هل تملك لوحات زيتية ذات قيمة تاريخية ومجوهرات؟، في حالة الإجابة على السؤال بنعم، هل هي ملكك أم ملك شريكك في الحياة؟…الشريك في الحياة، يقصد به هنا الزوج أو الزوجة.. وما هي القيمة المالية للوحات و المجوهرات؟

كانت هذه عينة جد مختصرة من وابل الأسئلة التي أمطر بها بنك التأمين الإجتماعي المواطنين المقبلين على التقاعد، ومن بينهم مهاجرون منحدرون من المغرب، لمعرفة من له حق الحصول على تعويض المساعدة المالية (Bijstand) في حالة ما إذا كان تعويض تقاعده منخفضا عن مستوى الحد الأدنى للأجور الجاري به العمل في هولندا.

جميع الأسئلة التي قد تخطر في بال المقبل على التقاعد، وحتى الأسئلة التي لن تخطر على باله، قام بنك التأمين الإجتماعي بصياغتها و توظيفها لتحديد الوضعية المالية للمقبلين على التقاعد.. حتى السيارة التي يمتلكها المقبل على التقاعد يجب عليه إخبار بنك التأمين الإجتماعي بنوعها، رقم تسجيلها و مجموع عدد الكلومترات الذي قطعته السيارة..

دون شرح لنظام التقاعد الهولندي و قانون المساعدة الماليةـ يصعب فهم الإشكالية التي يشكلها نظام التقاعد الهولندي للمهاجرين المغاربة.


نظام التقاعد الهولندي

تعرف هولندا نوعين من أنظمة التقاعد.. الأول Algemeen Ouderdomspensioen، ما معناه “تقاعد الشيخوخة العام”، ويحدد مستواه مجموع سنوات الإقامة في هولندا.. أما نظام التقاعد الثاني فهو Pensioen، ويرتبط حق الحصول عليه ومستواه بمجموع سنوات العمل، وعدد من العوامل الأخرى.

التعويض الأول “تقاعد الشيخوخة”، أو كما يعرف وسط الجالية المغربية بإختصار، يكون مرتبطا بمجموع عدد سنوات إقامة الشخص في هولندا، دون إعتبار للبلد القادم منه، ودون إعتبار عدد سنوات عمله ولا نوعية العمل أوالقطاع الذي إشتغل فيه قبل بلوغ السن القانونية للتقاعد عن العمل.

ربط تعويض الشيخوخة بمدة إقامة الشخص في هولندا يجعل مستوى التعويض يختلف، أولا، من شخص الى آخر، بين المهاجرين القادمين من نفس البلد.. وثانيا، بين مستوى تعويض تقاعد القادمين من دول أخرى و تقاعد المواطنين المقيمن في هولندا منذ ولادتهم.

مثلا: المهاجر الذي التحق بهولندا في بداية السبعينيات، يكون مستوى تعويض تقاعده بـ”تقاعد الشيخوخة” منخفضا عن مستوى تعويض تقاعد المواطن المزداد في هولندا.. كما يكون مستوى تعويض المهاجر الذي استقر في هولندا في السبعينيات أعلى من تعويض تقاعد المهاجر الذي إلتحق بالديار الهولندية في الثمانينيات أو بعدها.

نظام التقاعد الثاني Pensioen هو مرتبط بمجموع عدد سنوات العمل، دون إعتبار مدة إقامة الشخص في هولندا.. كما أنه لا يتوفر على علاقة بتقاعد الشيخوخة السابق، وكلا النظامين يجري بهما العمل جانبا الى جنب، ويمكن للمتقاعد الحصول عليهما معا في حال توفر شروط ذلك عند وصوله سن التقاعد.

مستوى تعويض التقاعد الثاني تحدده عوامل عديدة، منها عدد ساعات العمل وعدد أيام وسنوات العمل المصرح بها من طرف المشغل، ونوعية العمل ونوعية القطاع، والمبلغ الذي كان المتقاعد ومشغله يساهمان بهما في صندوق التقاعد.

إشكاليات العمل بنظامين للتقاعد

هنا تجب الإشارة، أولا، إلى المميزات الإيجابية لنظام التقاعد الهولندي الذي لا تتوفرعليه الدول الأوربية الأخرى.

نظام “تقاعد الشيخوخة” في شكله الحالي، تم وضعه إنطلاقا من روح التضامن السائدة بين جميع أفراد المجتمع الهولندي، بين كل فئاته ومكوناته، بين العامل والعاطل وبين الغني والأقل غنى منه.. تقاعد الشيخوخة يمنح لكل مواطن مقيم في هولندا، سواء ولد فيها أو قدم اليها من بلد آخر، بعد أن يقضي عدة عقود من حياته في خدمة مشغل أو شركة هولندية، أو حتى إن لم يشتغل قبل بلوغ سن التقاعد ولو يوما واحدا، فهو يضمن للجميع حق العيش بكرامة بعد سن التقاعد.. و تبعا لهذا المنطلق، تتمتع النساء أيضا بحقهن في الحصول على “تقاعد الشيخوخة” بمعزل عن أزواجن أو شركائهنّ في الحياة، منذ اليوم لإقامتهن في هولندا، ودون إعتبار مساهمتهن في ميدان العمل.

تقاعد الشيخوخة مرتبط بسنوات الإقامة، وهو لا يستثني أحدا، غير أن مستواه يختلف من شخص الى آخر، حسب عمره وتاريخ قدومه إلى هولندا ومجموع سنوات الإقامة فيها.. وحتى الأميرة “بياتريكس”، ملكة هولندا السابقة، ووالدة الملك “فيلم الكساندر”، توصلت عند بلوغها 65 من عمرها بإشعار من بنك التأمين الإجتماعي يخبرها ببلوغ السن القانونية للحصول على “تقاعد الشيخوخة”، وما لا يدع هنا مجالا للشك هو أن المبلغ الشهري الذي توصلت، وتتوصل به، لا ينقص ولا يفوق الحد الأدنى للأجور بالبلد.

وسائل الإعلام التي تناقلت وقتها خبر حصول الملكة على تقاعد الشيخوخة، أخبرت أن العاهلة الهولندية ستخصص تعويض تقاعدها من “تقاعد الشيخوخة” لدعم مؤسسات خيرية..

نظام تقاعد الشيخوخة والوافدون على هولندا

المواطنون المزدادون في هولندا، بإسثناء حالات خاصة ومحدودة، لا يشكل لهم نظام “تقاعد الشيخوخة” أية إشكالية، لأن مجموع عدد سنوات إقامتهم في هولندا يمنحهم حق الحصول على التعويض كاملا.. أمّا المنحدرون من دول أخرى، ومن بينها المغرب، لا يتوفرون على عدد سنوات الإقامة في هولندا، المحددة قانونيا للحصول على المال المطلوب، بالإضافة الى أن المبلغ، بالنسبة للمنحدرين من دول أخرى، يختلف من شخص إلى آخر تبعا لتفاوت أعمارهم وتاريخ قدومهم إلى الأراضي المنخفضة.

وعلى العموم، الجيل الأول من المهاجرين المغاربة يتقاضى من صندوق تقاعد الشيخوخة مبلغا ينخفض مستواه بدرجات متفواتةعن مستوى الحد الأدنى للأجور.. وفي الحالات التي يكون فيها تقاعد الشيخوخة منخفضا مقارنة مع الحد الأدنى للأجور، يمكن للمتقاعد طلب مساعدة مالية من البلدية التي يتواجد فوق ترابها من أجل رفع التعويض حتى مستوى الحد الأدنى للأجور، وهنا تكمن جذور الإشكالية، حيث يصبح تعويض المتقاعد مركبا من تعويضين مختلفين..

تعويض تقاعد الشيخوخة وتعويض المساعدة المالية هما تعويضان مختلفان، لكل منهما ضوابطه وشروط الحصول عليه.. فتعويض تقاعد الشيخوخة يسمح للمتقاعد بالاستقرار في بلد آخر، بالمغرب مثلا، دون فقدان حقه في الحصول عليه.. كما أن الحصول على تعويض الشيخوخة، مع إمتلاك المتقاعد لمدخرات مالية أو عقارات أخرى سواء في هولندا أو في بلد آخر، لا يشكل خرقا للقانون وليس له أي تأثير على مستوى مبلغ تعويض التقاعد.. أمّا التعويض الثاني، الذي هو “مساعدة مالية”، “Bijstand”، الذي حصل عليه المتقاعد لتغطية الفارق بين تعويض تقاعد الشيخوخة ومستوى الحد الأدنى للأجور، يمنع تصديره الى بلد آخر، ويمنع الحصول عليه في حالة إمتلاك طالب المساعدة لمدخرات مالية تفوق مبلغا محددا قانونيا، أو امتلاك أراضٍ فلاحية أوأملاكا عقارية أخرى.

تشديد المراقبة في الحصول على المساعدة المالية تعتبره الحكومة الهولندية الحالية في مقدمة أولوياتها.. كما تشمل هذه المراقبة أيضا كل المقيمين في هولندا والعاطلين عن العمل الذين يحصلون على هذا النوع من المساعدة المالية لتغطية تكاليف العيش الأولية.

هل يمكن أعتبار الحالات التي طلب فيها المتقاعد مساعدة مالية لرفع مستوى تقاعده الى مستوى الحد الأدنى للأجور خرقا لقانون التعويضات؟ ومن المسؤول عن ذالك؟.. أسئلة سنعود إليها لاحقا، بعد التطرق بعجالة، لنصيب المتقاعدين المغاربة من التعويض الثاني “Pensioen”.

نظام التقاعد الثاني المرتبط بسنوات العمل “Pensioen” معناه، في الحالات التي طلب فيها المتقاعد مساعدة مالية ، أن هذه الفئة من المتقاعدين المغاربة إما لا تتقاضى أي مبلغ من المصالح المكلفة بتسديد تعويض تقاعدها المرتبط بالعمل، أو أنها تتقاضى تقاعدا منخفضا، الى درجة تجعل تعويض تقاعد الشيخوخة وتعويض التقاعد عن العمل، معا، لا يصل مستواهما إلى مستوى الحد الأدنى للأجور.. الشيء الذي يكون قد دفع بهذه الفئة من المتقاعدين إلى طلب مساعد مالية إضافية “Bijstand” لتغطية تكاليف معيشتها.

الى جانب الحالات التي يكون فيها مبلغ تعويض الشيخوخة، زائد مبلغ تعويض التقاعد عن العمل لا يعادل مستوى الحد الأدنى للأجور، هناك فئة أخرى من المتقاعدين المغاربة، والتي لا يعرف عددها، التي تلقت تعويض تقاعدها عن العمل “Pensioen” دفعة واحدة.. في هذه الحالة التي تعرف بـ”شراء التقاعد” من طرف المصلحة المكلفة بصرفه ، يتوصل المتقاعد بمبلغ محدد من المصلحة المكلفة بتقاعده، إنطلاقا من معطيات وتقديرات محددة، مقابل تنازل المتقاعد عن حقه في الحصول على مبلغ شهري.

شراء التقاعد” يتم بالنسبة للتقاعد المرتبط بالعمل.. أمّا “تقاعد الشيخوخة” لا يسمح القانون بـ”شرائه”، أي الحصول على مبلغ محدد مرة واحدة بدل الحصول على مبلغ شهري.

قبل طلب المساعدة

قانون طلب المساعدة المالية “(Bijstand” يمنح للمواطن الذي أصبح، لسبب أو آخر، دون دخل، حق طلب مساعدة مالية تسمح له بتغطية تكاليف عيشه الأولية.. وحق الحصول على هذه المساعدة تحدده مجموعة من الشروط، ومن بينها، بذل مجهود ظاهر للحصول على عمل خلال مدة الحصول على المساعدة.

ويشترط أيضا للمستفيدين عدم السفر الى خارج هولندا دون إخبار المصالح المكلفة بصرف التعويض ودون موافقتها، لأن المساعدة المالية، يمنع تصديرها الى خارج هولندا، والسفر خفية يعتبر خرقا للشرط الأول المقترن بواجب البحث عن عمل.. ثالثا، يمنع الحصول على المساعدة المالية في حالة إمتلاك طالبها لمدخرات مالية تفوق مبلغا محددا قانونيا أو منزلا أو أملاكا عقارية أخرى، طبق معايير ومبالغ محددة قانونيا، يمكن للمواطن بيعها لتغطيىة تكاليف عيشه الأولية خلال مدة عطالته في هولندا.

غير أن قانون المساعدة المالية لا يحدد طول مدة العطالة، ولا يحدد طول مدة الحصول على المساعدة.. لكون مدة العطالة تختلف من شخص إلى آخر.. بعض العاطلين قد يجدون عملا في ظرف أسبوع أو شهر، والبعض الآخر، رغم المجهودات التي يقوم بها من أجل الحصول على عمل، لا تسعفه مؤهلاته، سنه أو عوامل أخرى في العودة الى ميدان العمل.. ومع طول مدة العطالة، وتقدم سن العاطل، يزداد انخفاض حظوظه في الحصول على عمل.

أملاك المهاجرين

إلى عهد ليس بالبعيد، لم تكن مصالح تقديم المساعدة المالية تولي أي إهتمام لمدخرات المهاجرين المغاربة وأملاكهم في المغرب كيفما كان نوعها أو كانت قيمتها.. كما أن ملفات طلب المساعدة لم تكن تتضمن سؤالا أو أسئلة تتعلق بمدخرات وأملاك طالبي الحصول على تعويض المساعدة خارج هولندا، ولا كيف يجب أن يتصرف الموظف في حالة تصريح طالب المساعدة بأملاكه العقارية.

وتعرف حالات عديدة، في الماضي القريب، صرح وقتها طالبو المساعدة بامتلاك عقار أوأراضي في المغرب، غير أن الموظفين لم يدونوا في تلك الحالات تصريحاتهم.. أولا، لأن المساعدة تقدم لتغطية تكاليف العيش الأولية في هولندا وخلال مدة مؤقتة بناء على المفهوم النصي والقريب للشرط.. ثانيا، السؤال المتعلق بالأملا، لا يحدد بلد وجود الأملاك التي يجب التصريح بها عند تقديم طلب الحصول المساعدة. والسؤال هنا هو “هل كان يجب على الموظف، في هذه الحالات، أن يأخذ من طالبي المساعدة المالية مفاتيح وملكيات منازلهم في بُوكِيدَان بإقليم الحسيمة؟، أو في بنِي مكَادَة في طنجة، مثلا، قبل الحصول على الحصول المساعدة؟، أم كان يجب على طالبي المساعدة بيع منازلهم و وضع المبالغ التي حصلوا عليها، الى جانب مدخراتهم المالية، في حقائبهم، والعودة الى هولندا لتسليمها لبلدية محل سكناهم، مقابل حصولهم على المساعدة المالية لتغطية تكاليف عيشهم الأولية خلال عطالتهم؟.. هذا إذا لم تنتهي بهم رحلة العودة الى هولندا في ضيافة مصلحة الجمارك المغربية بتهمة تهريب العملة..

بالنسبة للمقيمين في هولندا، يحدد القانون بالتدقيق وبالأرقام الإجراءات والمسار الذي يجب إتباعهما من طرف موظفي المصلحة المكلفة بتقديم المساعدة، ومن طرف طالبي المساعدة أيضا، في حالة إمتلاكهم منزلا أو عقارا آخر في هولندا عند تقديم طلب الحصول على المساعدة المالية.

بالنسبة لمدخرات و أملاك المهاجرين في بلدهم الأصلي والمقيمون في هولندا، ، لا تعرف لحد الآن، الإجراءات التي يجب إتباعها. كل ما يعرف هو منع الجمع بين المساعدة المالية و أملاك عقارية في هولندا وخارجها أيضا،

الوضعية الجديدة

في الشهر الماضي وجه بنك التأمين الإجتماعي، وللمرة الأولى، الى المقبلين على التقاعد الرسالة التي تتضمن الأسئلة المشار أعلاه الى عينة منها، لمعرفة من له حق الحصول على تعويض المساعدة المالية بعد تقاعدهم، في حالة إنخاض مبلغ “تقاعد الشيخوخة” عن الحد ألأدنى للأجور.

قائمة الأسئلة، نوعيتها والوثائق التي يجب الإدلاء بها، ترفع الغموض الذي كان يلف الجمع بين تعويض تقاعد الشيخوخة المنخفض والحصول على المساعدة المالية، إلى جانب إمتلاك منزلا أو عقارا في المغرب.

الملف الجديد لطلب تقاعد الشيخوخة يتضمن أسئلة مفصلة و واضحة حول أملاك المقيمين في هولندا، في المغرب.. كما يتضمن التوضيح الوارد في رسالة بنك التأمين الإجتماعي تنبيها الى أن بنك التأمين الإجتماعي، يدقق في صحة التصريحات المدلى بها من طرف المقبلين على التقاعد، بواسطة مكاتب محاربة الغش العابر للحدود، الملحقة بالسفارات الهولندية في عدد من الدول، ومن بينها المغرب.. كما تتضمن رسالة بنك التأمين الإجتماعي عبارة تنبه الى أن الموقع على ملف طلب الحصول على تقاعد الشيخوخة يمنح لموظفي مكتب محاربة الغش العابر للحدود حق الإطلاع على ممتلكاته العقارية لدى المصالح المعنية في بلده.

الأسئلة الواردة في ملف طلب تقاعد الشيخوخة تظهر بوضوح أن بنك التأمين الإجتماعي وضع نصب عينيه على ممتلكات المهاجرين المغاربة في بلدهم لحرمانهم من حق الحصول على المساعدة المالية في هولندا في الحالات التي يكون فيها مبلغ تقاعد الشيخوخة لا يعادل الحد الأدنى للأجور.. بالإضافة إلى إدراج مدخرات وأملاك المهاجرين العقارية في بلدهم الأصلي عند طلب المساعدة المالية، ويلوح بنك التأمين الإجتماعي بتطبيق هذا المبدأ بأثر رجعي قد يمتد الى سنوات خلت.

السؤال الذي يطرح هنا وبإلحاح هو: هل يتعلق الأمر بتعديل أو تغيير في قوانين الحصول على المساعدة المالية، أم يتعلق الأمر بتأويل بنك التأمين الاجتماعي وعدد من المصالح الأخرى لمفهوم ” كل مدخراتك وأملاكك أولا” الذي يفهم منه بنك التأمين الإجتماعي وأينما كانت توجد هذه الأملاك و العقارات..

قانون الحصول على المساعدة المالية أو ما يعرف بـ”قانون كل مدخراتك وأملاكك أولا”، لم يتغير.. وتطبيقه بأثر رجعي لا يليق ببلد مثل هولندا التي تحتل مكانا رائدا بين الدول التي تحترم قوانينها… ما تغير، مع كامل الأسف، هوعقلية العديد من المسؤولين والسياسيين لأسباب مختلفة ومتعددة ، لا مجال لذكرها هنا.

من الحث إلى الاسترجاع

لتشخيص التغيير الذي طرأ على عقلية بعض المصالح الهولندية، وعلى رأسها بنك التأمين الاجتماعي الذي ينفق مؤخرا ميزانية هائلة لمعرفة من يملك منزلا أو عقارا في المغرب، أستسمح هنا القارئ للاستشهاد بحدث يجسد التغيير الذي طرأ على تعامل المصالح الهولندية مع متقاعديها المهاجرين.

منذ 8 سنوات خلت، تزامن وجود كاتب المقال مع زيارة وفد يمثل بنك التأمين الاجتماعي وعددا من المصالح الهولندية المكلفة بصرف التقاعد لمدينة طنجة.. فالوفد الهولندي كان في زيارة لمدينة طنجة بحثا عن المهاجرين الذين غادروا هولندا بصفة دائمة دون المطالبة بتقاعدهم، إما عن جهل بقانون التقاعد أو لأسباب أخرى.

كان هذا سنة 2006. وفي أقل من عقد من الزمن انقلب كل شيء، وأصبح موظفو المكتب الهولندي لمكافحة الغش العابر للحدود يجوبون المدن و القرى المغربية لمعرفة من يملك منزلا أو عقارا لم يصرح به عند طلب المساعدة المالية خلال مدة عطالته في هولندا.. أولا، لحرمانه من المساعدة المالية، وثانيا؛ لمطالبته بإرجاع ما تقاضى من مبالغ من صندوق المساعدة خلال السنوات الماضية، الشيء الذي يجعل تقاعد المهاجرين المغاربة الذين قضوا عقودا من حياتهم في خدمة الاقتصاد الهولندي يتحول تدريجيا من نعمة لهم إلى نقمة عليهم وعلى بلدهم الأصلي أيضا.

ما يمكن أن يعيد الفرحة والطمأنينة لقلوب المتقاعدين وللمقبلين على التقاعد يكمن في أن القضاء الهولندي لن يسمح لبنك التأمين الاجتماعي أن يكون خصما و حكما في آن واحد.. أو على الأقل هذا ما يمكن أن يتمناه المتقاعدون والمقبلون على التقاعد.

علي لزرق

نائب في البرلمان الهولندي ( 2003-2006)