المعلم الذي في خاطري‎

المعلم الذي في خاطري‎

الثلاثاء 14 نوفمبر 2017

بقلم: نادية أغنغون

قطعة حلوى كانت لا شيء ..وكل شيء

كانت من أستاذ الرياضيات بالإعدادي ؛ المعلم الذي في خاطري ؛ والرجل الطيب الذي ربّما كان هنالك من لم يفهم أنه مسؤول عما يفعله ..كانت حلوى من ذلك النوع الذي بنكهة القهوة ؛ تأثيرها في الصباح الباكر حين كنا نتناولها كان استثنائيا جدا ؛ لا أدري إن كانت موجودة للآن ولا إن كانت بنفس الطعم ؛ لكنها في نفسي الآن ذاتها ؛ ثمنها عشر سنتيمات ؛ لكنها عندي بزمني هذا بمئات الأميال من الحب والتقدير وألف إشارة لهذا الأستاذ ..

في تلك الحصة ؛ وضع رسما لمثلث قائم الزاوية ؛ وبخطه الأنيق كتب برهن أن BC²=AB²+AC² ؛ الأمر كان اعتياديا منه لأنه محب للبرهنة في كل شيء ؛ لكن هذه المرة أخبرنا ان من ينهي بسرعة الأول له جائزة … وهرعنا للكتابة ؛ لا أدري أكان المحرك بداية ؛ تلك الجائزة المجهولة ؛ أو حبنا للبرهنة أو احترامنا للاستاذ حتى لا نخذله ..أسرعنا نحن الخمسة تلاميذ الذي كنا نتنافس عادة ؛ انسكب كل شيء فينا على الورقة من أجل شيء لا نعلمه … وصلتُ للحل وركضت إليه ؛ نظر إليه سريعا باسما ثم قال ؛ ” أحسنت “نادية ” ..أدخل يده في جيبه ثم ناولني تلك القطعة على حين دهشة ؛ وماذا تعني قطعة حلوى رخيصة لمن يفطرون بألذ منها وأغلى ثمنا ؟؟ ..

ضحكنا جميعا سخرية من الوضع ومنا خاصة نحن الذي ركضنا إليه ؛ وفي داخلي كنت ربما أقول ” ما هذا يا أستاذ لو أخبرتني بداية بهذا التحقير لما فرضتُ على عقلي هذا الضجيج من الأرقام .” ؛ لكنه في تلك الحظة كأنه علم بانتكاستي بعد جُهد ..قال لي ” تعلمين ماذا فعلتِ الآن .. أنت سلكت نفس طريق فيتاغورس ليصل إلى مبرهنة سميت باسمه .. هذه هي مبرهنة فيتاغورس ” ..


لا أدري لم كلماته تحضرني بالذات في هذا اليوم ؛ ولا أدري لم أحس بأني أشعر برغبة كبير في اللقاء به وتقبيل يده ؛ مع أني أشك أني قادرة على خط خطوة في اتجاهه إن رأيته فعلا ؛ فلا زلتُ تلميذته التي تخجل من كل شيء حتى كأنه كاد يصبح مرضا ؛ لم تفعل السنين بي في هذا الاتجاه تغييرا.. لا أدري حتى إن كنت قادرة على قول أهلاً وشكراً له ؛ لأن الأمر أكبر من شكراً الآن وأنا في هذا السن أحملُ من نفسِه الكثير .. وأسير على نهجهه في الكثير

كثيرون هم من مروا بي من طينته ؛ قليلٌ من كان لهم تأثيرهم السيء ؛ أو لعلي لا أعتبره سيئا لأني أصبحت أتفهم ما كان منهم بنضج أكبر ..
هذا الأستاذ ؛ هو ذاته الذي قال لصديقتي ” نادية أصبحت صحافية ؛ كُنا نراها أكثر من ذلك ” .. هو ذاته الذي لن أوفيه حقه الآن ..هو ذاته وغيره يجعلونني أشعر بالحياء حين أقصر ..هُم هذا المنبه الذي يعبث في الجانب الأيسر من نبضنا ؛ ويصرون أن يذكرونا بهم حين نُخطئ ؛ حين نغفل أننهم معلمين بمراتب رسل .. هو ذاته الذي ربّما هناك غيري من يعتقده أستاذا عاديا ؛ وربما دكتاتورا ؛ ربما لم يعني لآخرين شيئا … وهذا ما يحزن في كونك تحملُ شارة مدرس … فأنت ربما كل شيء لأحدهم ولا شيء لآخرين ؛ وربما خيطُ رفيع من الألم والأمل لآخرين ..

أعلمُ الآن و بعد سنوات أن السكاكر التي كان يقدمها لنا؛وتاج ورقٍ وسواراً وأي هدية مدعاة للسخرية؛ بعد سنوات ؛ ربما كانت قرباناً يشي بانه يهتم بنفسياتنا رغم كل شيء ؛ وأن كل ما فعله أنه حاول أن يقضم لنا مما أحبب قطعة حلوى ربما تذوب في صدورنا رأفة ورحمة قبل أن نحاسبه …نحنُ بالنهاية مزيج من ألم وأمل.