الطرفة العاشرة : عنتر وعبلة

الطرفة العاشرة :  عنتر وعبلة

الأحد 9 سبتمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

ليس من ديدني أن أتراجع عن  عهود طوقت بها نفسي حينما شرعت في سرد هذه الطرف التربوية ، و لعل أبرزها  ما جاء في مقدمة طرفتي التربوية الأولى ،أن أتحاشى ذكر  أسماء التلاميذ فيها تجنبا لإحراجهم ، و ابتعادا عن  إزعاجهم ، و امتثالاً  لميثاق شرف، متشبثاً به غير مخلف ، ولست عنه  بزائـــغ و لا منحرف . ولكن للضرورة أحكاماً ، فهذه الطرفة العاشرة لن تبلغ مرادها من إسعاد القارئ و إدخال البهجة إلى قلبه إلا بذكر اسم التلميذ ، و لا أفشي سراً إذا قلت إنني ترددت كثيرا في سردها و لكن استقر رأيي في نهاية المطــــــــــــــــاف و خاتمة التفكير المتأني على أن  آخذ رأي هذا التلميذ و رأي أسرته في هذا الأمر ، و الحمد لله أنهم جميعاً  لم يجدوا مانعا و لا حرجا في ذلك ،  و حتى لا يبقـــــى  أعزائي القراء تتقاذفهم الظنون  و  تجرفهم إلى  عالم  شطون ، أرى من الواجب ذكر اسمه العائلي : عنتر ، فقد كان ، والحق يجب  يقال ، لا أن يوارى و يؤجل،  تلميذاً  يتحلى بأخلاق فاضلة ، توسمتُ فيه الخير مــــــنذ  اللقاء الأول ، و أحمدتُ منه الخُبْر بعد التعرف ،  وقد قيل قديماً إن حركات النفس  لدلالة  على صدق  ما قالوا به في التَّــعَــيُّــفِ ، فقد تكذبُ العينُ المرءَ  ويصدق ظن العاقل المتشوف ، ورغم سكوته الكثير أثناء حصص اللغة العربية إلا أنني  حينما أسأله أجــــد لديه الجواب الشافي ، والزاد المعرفي الكافي ، و التمكن من الإقناع الضافي .

في حصتين متتابعتين في مادة  النصوص الأدبية  ،المستوى السادسة من الثانوي في اواخر الثمانينات من القرن العشرين بثانوية حسان بن ثابت بزايو ، أفردت الحصة الأولى من الثامنة إلى التاسعة لشرح مضمون   مقطع شعري لعنترة بن شداد مقتطف من معلقته المشهورة ، و أستسمح القراء الأعزاء في سوق بعض أبياتها التي يخاطب فيها  حبيبته عبلة  المقررة في الكتاب المدرسي :

إنْ  تُغْدفي دوني القناع فإنني… طَــبٌ بأخْذِ الفارس المستلْئِـــمِ

أثْني علي بما علمتِ ، فإننــي… سمح مخالفتي إذا لم أظلــــــم


و إذا ظُلمت فإن ظلمي باسل… مُرٌّ مذاقته ، كطعم العلقـــــــــــم

هلاّ سألتِ الخيل يا ابنة مالكٍ… إنْ كنتِ جاهلةً بما لم تعلمــــــي

يخبركِ من شهد الوقيعة أنني…أغشى الوغى وأعف عند المغنم

( شروح لغوية مساعدة : الإغداف : الارخاء- الطَّب: العالم الحاذق-المستلئم: الذي يلبس اللأمة و هي الدرع – العلقم : الدواء المر – ابنة مالك: يعني حبيبته- الوقيعة : الحرب- المغنم : الغنيمة ).

و لم يخف عن التلاميذ من خلال الأسئلة التي كنت أوجهها لهم  الهادفة إلى ابراز مختلف الأحاسيس و المشاعر التي  عبر عنها الشاعر عنترة بن شداد  تعاطفــي و إعجابي الشديدين بهذا الشاعر الجاهلي الذي  قضت الأعراف و التقاليد الجاهلية أن يكون  أبناء الإماء مستعبدين ، وقد شب عنترة يهفو و يتطلع إلى الحرية ، ويسعى إلى حياة يكون فيها معززا و كريما بعيدا عن الذل والهوان ، وقد  تحققت المشاركة الوجدانية  بيني و بين التلاميذ أثناء استجلاء مضمون النص ،   بفضل مشاركتهم في الدرس و حسن الإصغاء و المتابعة ، و أحسست بعد أن دق الجرس معلنا نهاية الحصة الأولى أن التلاميذ  أصبحوا بعد الجهد الذي بذلوه في مسيس الحاجة إلى استراحة قصيرة ، تخفف عنهم وعثاء السفر مع عنترة ولو لفترة يسيرة،  لكن القانون  لنا بالمرصاد ، يمنع  هذه الاستراحة بين ساعتين متتابعتين، و لكن ذلك لم يمنع من استثناءات ، تسمح للأستاذ بالاحتكام إلى سلطته التقديرية للسماح لبعض التلاميذ بالخروج شريطة ألا يطول ، إلا أن التلميذ عنتر خالف القاعدة على غير العادة ، فطال غيابه  ، فاستشاط غضبي وطفقت أرغي و أزبد ، متوعدا كل مخالف للقوانين بسوء العاقبـــــــــــــــــــــــــة ، والتلاميذ  متذمرون

من الوعيـــــــد والغضبة ، فلما  شرعت في التعليق على مضمون نص عنترة بن شداد   إذا بعنتر يطرق الباب مطأطئاً رأسه كأنه يستعطفني  للدخول ، معبرا بذلك عن  خالـــــــص و أصدق اعتذاره ، إلا أنني صحت في وجهه غاضباً  : لماذا تأخرت ؟ أين كنت ياعنتر ؟ فأجابني بهدوء  مشوب بالتوجس: كنت مع عبلة يا أستاذي . فأغرقنــي و التلاميذ في ضحك ما كنا نتوقعه ، فأذنت له بالدخول ، فكان جوابه ماء باردا سكب على  جمرة الغضب المتقدة في نفسي  فأحسن إطفاءها و إخمادها ، وطرب الفؤاد وكــــان غير طروب ، و المرء رهن بشاشة و قطوب .

في الأخير ، و قبل الختام أود أن أتوجه بأصدق و أنبل التحيات إلى عائلة عنتر بزايو ، متضرعاً إلى المولى عز وجل أن يرعاها و يحفظها من كل ســـوء ، و أن يشمل بعطفه و رحمته أب هذه الأسرة الكريمة الذي ربى ابناءه أحسن تربية ، وغرس في نفوسهم حب طلب العلم و التفاني في تحصيله و التزود بمنافعــــــــه  ، فحياك الله وبياك . و السلام ختام . والله ولـــــــــي التوفيق.

 

ملحوظة : لا  أريد في هذه الطرفة العاشرة  أن أحرم المعجبين  بجمال الشــــــعر و احاسيسه و مشاعره من هذه الأبيات الشعرية  لعنترة بن شداد التي بقيت  محفورة في ذاكرتي  لأنها تصور ما كابده الشاعر من ويلات و آلام  تدمي الفؤاد في مواجهة  أعراف وتقاليد جاهلية ظالمة قبل ظهور الدين الإسلامي :

سواد لونه لاضير فيه و إنما الضير في سواد الفعال و الضمير :

يعيبون لوني بالسواد و إنما … فعالهم باللؤم أسود من جلدي

و حتى الزمان الذي يسقط و يوقع الناس في شراكه فلا يبقون في منجاة منها ، عرف السواد فما عابه على الناس و لا حط به قدرهم :

و لا عاب الزمان علي لوني … و لاحط الزمان رفيع قدري

تعيرني العدى بسواد لوني… وبيض خصائلي تمحو السوادا

سوادي بياض حين تبدو شمائلي… و فعلي على الأنساب يزهو و يفخر

قال ايضا مصورا النفاق الاجتماعي عند اشخاص يعيرونه بأمه السوداء زمن السلم و ينادونه في الحرب : يا ابن الأكارم :

ينادونني في السلم يا ابن زبيبة … و عند صدام الخيل : يا ابن الأكارم

لقد انطوت نفسه على قدر كبير من المرارة حيال يأسه من  تبديل مفاهيم المجتمع و قيمه ، وإذا كان التحدي الفردي يجدي نفعاً في بسط المشكلة ، لكنه لا يجد لها حلاً إذا لم تكن  الظروف مواتية  يانعة :

اذكر قومي ظلمهم لي وبغيهم … و قلة إنصافي على القرب و البعد

بنيت لهم بالسيف مجدا مشيدا… فلما تناهى مجدهم هدموا مجدي

 

أترككم في رعاية المولى وحفظه ، لقائي بكم يتجدد إن شاء الله.

بقلم : الأستاذ الحسين أقليد

الطرفة الأولى :  صراع مع المرآة

الطرفة الثانية : كلاب ضالة داخل  قسمي

الطرفة الثامنة : التلميذ الحائر

الطرفة التاسعة : الفرض الكتابي الصعب