ابن زايو …أيمن بوبوح يكتب: رسائل ما قبل الموت

ابن زايو …أيمن بوبوح يكتب: رسائل ما قبل الموت

الأربعاء 12 نوفمبر 2014

لا أتذكر بالضبط اليوم الذي عثرت فيه على مذكرات عمي امحمد الذي توفي وهو دون الأربعين من العمر. مات بسرطان الغدد اللمفاوية في فرنسا وهو في ريعان شبابه، لكني أتذكر جيدا الحالة النفسية التي كنت عليها وأنا أقرأ خواطر رجل يحاول أن يترك أثرا وهو على فراش الموت. كنت حينها في أوائل سنوات المراهقة التي تحمل معها كل تلك الأسئلة الميتافيزيقية التي تدور في ذهن كل مراهق يبحث عن هوية مختلفة يتمرد بها عن القوانين الأسرية السائدة.

أبي لم يكن يعلم بأني وجدت كنزا مفقودا في دهاليز الذاكرة العائلية التي تحتوي أيضاً على الرسائل التي كان يبعث بها أبي لحبيبته – الوالدة – وبعض من البطاقات البريدية التي كان كل فرد من العائلة يبعثها للآخر من ألمانيا وهولندا وبلجيكا بحكم أن الكثير من عائلتي الريفية المنحدرة من زايو قرب الناضور يقيمون هناك.

تلك بداية القصة، قصتي مع الكتابة. كانت لخواطر عمي وهو على فراش الموت الوقع الكبير على نفسيتي كمراهق يحاول أن يفهم كل شيء ولا يقبل بأي شيء. لم أفهم آنذاك كيف يمكن لشخص أن يحمد الله على مرض عضال ألم به وهو في ربيع العمر، وكيف له أن يتغزل في خطيبته وهو يفارقها، وكيف له أن يحب الحياة وهو يستعد لرحلة الموت. كانت كتاباته كقناة توصل إلي الكثير من الأسرار والأجوبة التي كنت أبحث عنها. أدركت حينها أن في الكتابة سر غريب وسحر يتخطى الزمان والمكان. أدركت أنها ليست وسيلة للتعبير فقط ولكنها طريقة لحفظ الأفكار من الضياع والأحاسيس من الفناء والميراث الشخصي من النسيان كصندوق من ورق تخزن فيه عصارة روحك وفكرك ليكتشفك ويستمتع بك العالم بعد أن تحمل في صندوق الخشب إلى العالم الاخر… في مرقدك الأخير.
كتشفت في صغري أني أتكلم بصعوبة وأنه حينما أبدأ في الحديث يضحك الناس أو ينظرون إلي وكأني أتيت من كوكب آخر لا يفهمون لغته. اكتشفت أني لست ككل الأطفال في المدرسة. علمت أني مصاب بمرض أجهل سببه إلى الآن: مرض التأتأة أو التلعثم أو التمتمة كما نسميه. كانت حصص القراءة داخل القسم بالنسبة لي كحصص التعذيب داخل السجون وقهقهات الأطفال والأساتذة كسياط الجلادين، والمنظومة التعليمية الرتيبة المملة الطويلة التي تعتمد أساسا على “إقرأ وردد” كالحكم بالسجن المؤبد وسط مجتمع يستهزئ ولا يشجع ويحكم بدون أن يفهم.

خلال هذه السنوات الأولى من حياتي التي كان يتكلم فيها الناس كثيرا ويتحدثون كثيرا، والتي طور فيها الأطفال مهارة القراءة والخطابة، كنت لوحدي أتأمل وألاحظ وأحلل شخصية الناس. أتفرس في وجوههم ثم أحاول أن أترجم هذه الاستنتاجات الشخصية إلى كلمات على ورق لم تكن ذات قيمة لسطحية أفكار الطفولة/المراهقة ولكنها كانت دواء كافيا وشافيا لرغبتي الملحة في التعبير كباقي الناس.

استمررت على هذه الحال إلى أن عوفيت بصعوبة من التأتأة بعد أن جربت مختلف طرق التنفس و”القوالب” لإخراج الحروف. شفيت بعد أن عرفت بأن هذه الحالة مرتبطة بسبب غريب لم أستطع تحديده والذي يذوب حينما تكون في حالة نفسية عالية وقوية، والتي كانت الكتابة تحافظ عليها باستمرار. أتذكر أن الأعراض زالت بشكل غريب حينما حصلت بشكل غريب كذلك على معدل عال جداً في أول سنة في الثانوية..


قصتي مع الكتابة هي قصة حب عرفت أحلى سنواتها في كلية الطب عندما كنا نناقش الأفكار وتطورات الأحداث ونسرد القصص في المنتدى الإلكتروني لجمعية “عدن” ثم بعد إنشاء مدونتي التي كنت أسرد فيها قصص أسفاري وخواطري إلى أن وقع ما وقع : ثورة مواقع التواصل الاجتماعية التي أعطت للتعبير الكتابي الأولوية العظمى والقيمة المثلى تماما كما كنت أريد في الصغر.