هواتف الشعراء – اهداء لشعراء المدينة

هواتف الشعراء – اهداء لشعراء المدينة

الأربعاء 19 يونيو 2013

إهداء إلى كل شعراء المدينة

لا شك أن من سيقرأ عنوان مقالتي اليوم سيتساءل: ما بصاحب “يازمان الوصل”, وبعد أن خاض في موضوع العفاريت والتماسيح والغيلان, نجده اليوم يختار الحديث عن الهواتف!!؟ أسيحدثنا عن دور الهاتف, خصوصا الذكي منه, لنصل الأرحام, ونسمع ونرى الأحبة والخلان!؟. أتراه دخل مع صاحب الموقع في صفقة إشهارية لأحدى أنواع الهواتف الذكية, وبدل “زمان الوصل” سينزل وصلة إشهارية لها!!؟ أتراه سيحكي عن حالات الغش التي إجتاحت إمتحانات الباكالوريا لهذا العام, والتي كانت فيها الهواتف الذكية من إيفون, وسامسونغ,…المتهم الرئيس !؟ هل سيعيدنا في “زمان الوصل” إلى الزمن الجميل الذي كان فيه الغش في الإمتحانات من “تحراز”, و”تحناش”, و”نقيل” بدائيا وبسيطا وجميلا, ويقارنه بآخر صيحات الغش, والتي أصبح الفايسبوك وتويتر ب”هاشتاغاتهما” يؤرخان لها!؟  أم جاء  ليحدثنا عن الهواتف المزورة والمقلدة التي دخلت الأسواق لتنزع بعض الهيبة عن الجيل الجديد من الهواتف الذكية, تماما كما فعل التمساح المزورالذي نزل الأسواق بذيله المعقوف, وبفمه الفاغر ذي الأسنان المتراصة, وساوى وعدل بين أنواع الألبسة والعطور وأرسى الطمأنينة في قلوب كل من لم يستطع لألبسة وعطور التمساح الحقيقي سبيلا!!؟

ربما سيكون عنوان مقالتي جذابا لأجيال التقنيات الحديثة أو التكنولوجيا الذين ألِفوا الرسائل القصيرة على شاشات هواتفهم ولم يذرفوا دمعة كما فعلت أجيالنا وهي تكتب رسائل الغرام, وتناشد قريحتها أن تجود عليها بما يجعل المتلقي يذرف أدمعا!! ربما سيقولون: سيحدثنا عما لا يجيد التحدث فيه, فبينه وبين عوالم التكنولوجيا وأدبياتها سنوات رقمية!! ربما سيستنكرون مقالتي فقط من خلال عنوانها, وهم الذين  اعتادوا النقر على الشاشات, وتمرير أصبع السبابة, عكسنا نحن الذين إعتدنا الريشة ومداد “ادواية” وشذبنا وقلّمنا عود القصب لنصنع منه أول أقلامنا لنغمسه في مداد مزاجه صمغا, نكتب به على اللوح  أول الكلمات, وأول الآيات الكريمات, لنمحوها بالصلصال, بعد حفظها واستظهارها على مسامع الفقيه, الذي يكون  قد أذاقنا من بركات”زلاطه” ما تيسر من الضرب مثنى, وثلاث,ورباع وخماس

لأضع حدا لكل هذه التساؤلات, والتخمينات, والحيرات فإنني اليوم سآخذكم

لأحدثكم عن هواتف عصر الجاهلية الخارقة!!!, وهي هواتف الشعراء أو شياطينهم


يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى زهير بن أبي سلمى قبل البعثة وقال: “رب أعذني من شيطانه”. ولأن الشعر الجاهلي كان تراثا مرويا فإنه كان لكل شاعر راوية يروي شعره وينقله بين الناس, كما كان لكل شاعر هاتف, أو شيطان, أو هاجس, أو قرين أو رئي يلقي في روعه شعرا. ومن كان شيطانه أمردا كان شعره أجودا. بل وكانوا يتفاخرون بشياطينهم حتى قال أحدهم

إني وكل شاعر من البشر***شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

فما رآني شاعر إلا استتر***فعل النجوم إذا عاين القمر

كما أن لكل شيطان من شياطين الشعراء إسم. فكان شيطان امرئ القيس مثلا هو لافظ بن لاحظ, وشيطان الأعشى هو مسحل بن أثاثة, وشيطان النابغة الذبياني هوهاذر بن ماهر, وشيطان طرفة بن العبد هوعنتر العجلان… وكانت تسكن ثلاث أودية هي “وادي زرود”, و”وادي الأرواح”, و”وادي عبقر” الذي ذكره “ابن شهيد الأندلسي” في رسالته “التوابع والزوابع” ليتخيل رحلة إليه يلتقي فيها بشياطين الشعراء من الجاهلية حتى العصر العباسي. ويسمع منهم ويسمعوا منه ومن شعره وخطابته ويجيزوه كما فعل شيطان الجاحظ حين قال له:” إذهب فإنك شاعر وخطيب” أو كما قال فيه شيطان المتنبي:” إن امتد به طلق العمر فسينفث بدرر

.”

وإذا حاولنا أن نتقفى أثر ابن شهيد, ونتخيل ما تخيله, فإننا سنحار بأي واد سنلتقي بشيطان خالد البدوي مثلا. أيسكن شيطان شعره وادي “البطحاء”!!؟ أم الواد الذي يخترق الحي الجديد, والذي يمر بمحاذاة بيت صاحب زايو سيتي!!؟. وسنحار أكثر إذا وددنا لقاء شيطان الزبير خياط. أترانا سنجده في وادي “إسلي”, أم في “الواد الناشف”, أم أنه يرحل مع شاعرنا أينما ارتحل, ويسكن اليوم بالواد المحاذي ل”لطويحين”!!؟. ثم إذا كانت الشياطين تلقي في روع الشعراء الشعر. فكيف يا ترى وأين إجتمع شيطان جزائري وشيطان مغربي ليصوغا ويؤلفا لنا قصيدة جاءت على لسان الشاعر بغداد, وشاعرنا أحمد لحمر!!؟. أترى الشيطانين يسكنان “واد كيس” الذي يفصل السعيدية عن مرسى بن مهيدي!!؟ وإذا كان كذلك, فبأي الشاطئين يصيفان ويستجمان!!؟ أترى لهما معبرحدودي”زوج شياطن” كمعبر “زوج بغال” المقفول إلى إشعار آخر!!؟. ثم إذا افترضنا أننا سنلاقي كل هذه الشياطين في تلك الأودية. فبأي الأسماء سميت!؟ أسئلة ما أظن شاعرنا لحمر ولا شاعرنا بغداد يعرفان جوابا لها. وإن كنت أثقلت عليهما بسؤالي هذا, فسأخفف عنهما في مقالتي القادمة التي ستكون  إهداءً مني لهما بحول الله.

 رشيد محيي- إسبانيا