أياغولا أنت ما أغْوَلا‎

أياغولا أنت ما أغْوَلا‎

الأربعاء 15 مايو 2013

رشيد محيي – إسبانيا 

إلى كمال, أخونا الذي لم تلده أمي
.
ولأن الغول تغول, والتمساح تتمسح, والعفريت تعفرت, فإن الحلم المخملي تفتت وتشتت. عفريت التلاوة أحببناه, وإن كان عفريتا, بل وغنينا مقاطع من “أنا عفريت أنا نفريت” دون عقد ولاخوف. “ثامزا” أو عمتي الغولة في حكايات الصبا كنا ننتظرها مع قدوم العمات والجدات علينا. كانت تتراءى لي في سقف البيت المظلم فأغطي جسدي من رأسي حتى أخمص قدمي لأتفادى عينيها الحمراوتين البراقتين, والتي ينضح الشر منهما. كنت  أراها تتفيؤ عتمة شجرة التفاح التي كانت تعانق حوش بيتنا. كانت تطل علينا من نافذة البيت إن ضوء المصباح إنطفأ. كنا نخافها لكننا نشتاق لسماع الحكايات عنها. نعشق حكاياتها وإن كلفنا خوفنا منها التشبث بإزار الحاكيات. أو تبليل فرشتنا, خوفا من أن ننهض إلى الحمام ليلا وهي المتربصة دوما ببابه. الغول أو “أمزيو” عكس الغولة أو ثامزا, لم يكن يخيفنا, بل كان ودودا. لم نكن نتخيله, بل كان يأتينا يقظة. كان أحد أعز أقربائنا هو “أمزيو” بيتنا. كنا نفرح بمقدمه علينا. كان يتحول إلى “أمزيو” فقط على المائدة, خصوصا حين يكون اللحم والسمك أو الحوت الفاخر حاضرا. كنا نقدم له نصيبنا منها وننتشي برؤيته وهو يلتهمها فاغرا فاه  كضرغام شرس, وجاحضا عينه كأبله  مشاكس. كان غول بيتنا لاحما. إذ لم تكن تعجبه لا البطاطس ولا العدس, ولا الخبيزة
.
التمساح لم أهبه أبدا, ربما لشبهه بالزرمومية التي كانت تسيح في سفوح تايدة. ونقتنصها ونحاكي بها “طارازان” أحيانا, وأحيانا أخرى كنا نحاكي بها الجراحين. كنا نكمم أفواهنا وأنوفنا بأوراق الدفاتر المتطايرة, ونبقر بطنها بما كانت تجود به علينا مطارح الأزبال أو “الزوبية” من آلات حادة كشفرة “مينورا”. لم يكن حظ الزرموميات معنا بأحسن حال من مثيلاتها من السحليات ك”رضاعة لبقر” التي استوطنت تايدة لعقود. ولا شراغيف صهريج أو”ساريج” عمي علال رحمه الله بأحسن حال. فذيلها المتحرك دوما كان يحرك فينا سادية طفولية غريبة. كنا نصطادها بما جادت علينا “الزوبية” من خِرق أو شبكات أو أواني مثقوبة. ونضعها في علب الزيتون الفارغة ونطهيها على قش أغصان تايدة الباسقة. الشراغيف التي تسلم من عربدتنا الطفولية كانت تكبر ونلاحظ كيف تتوارى أذنابها حتى تصبح ضفادع دون أذناب. وهذه ظاهرة قد تفسر نظرية تمسحة الإنسان. عقدتي الوحيدة مع التمساح, كانت هيبته وهو مرسوم ومطبوع على الأقمصة والثياب الغالية والعالية الجودة. لكن هذه العقدة وعقدة العديد مثلي تبددت بدخول التمساح المزور. فتشابهت على الناس التماسيح, ولم تعد تميز بين أنيابها ولا أذنابها. وهذا هو حالنا مع ذوي السلطة منا. فالتماسيح تشابهت علينا, والغيلان تغولت والعفاريت تعفرتت. والبلد أصبح في حاجة, بدل الأطر المعطلة, وأكثر من أي وقت مضى ل”طارازانات”, ول”لفقهة” والمشعوذين لطردها. وجامعاتنا المنكوبة أصبحت في أمس الحاجة لفتح مسالك تعليمية جديدة وماستر في العفرتة والتمسحة, ودكتوراه في التغول, خصوصا والوطن أصبح كما يقال في الأمثلة الشعبية” في كف عفريت”. ولا أدل على ذلك خرجات شباط, العفريت الأكبر كما وصف نفسه يوما, وإعلان إنسحابه من حكومة بن كيران. وذلك بعد أن كال السباب والشتائم لأتلاف العفاريت والتماسيح كما قال في إحدى مداخلاته, جازما أن أكثر من نصف الحكومة تماسيح وعفاريت
.
نتساءل بعد خروج المارد صاحب الميزان من مصباح بن كيران, وأخذه ل”لفتيلة” معه. هل سيقدر المصباح أن ينير للمواطنين الذين رؤوا في نوره قبسا قد يهديهم طريقهم؟!. أم أن المصباح بدون “فتيلة” المارد لن يقدر حتى على إضاءة نفسه, أو كما نقول بالكلام الدارج” ما غادي يضوي حتى على راسو”؟!  هل سيدخل الوطن في نفق مظلم سنتخيل فيه كل ما تخيلناه ونحن صبية من عفاريت و”ثامزا” يتربصون بنا؟!. يرى بعض المحللون والمختصون في العفرتة والتمسحة بأن الوطن, بعد هذا الخروج العفريتي سيصبح مفتوحا على عدة سيناريوهات, وعدة احتمالات. فربما سيُحل البرلمان ونضيع أموالا باهضة لانتخاب تماسيح جديدة وإعادة تثبيت أخرى. وربما يعود العفريت الأكبر عن انسحابه, وسيعود إلى مصباح الحكومة بشروطه وبفتيلته. لكن السؤال المحير, هل بقي في مصباح بن كيران ما يكفي من الزيت أو “الغاز” ليبقي على  بريقه ؟! أم أن اندثار “اللامبا” من عديد بيوتنا والغاز ومحلات بيعه, كدكان عمي بوسعيدة رحمه الله يشي بأن كل ما يتألق قد يخبو وينطفئ يوما ما, فاتحا هكذا المجال للعفاريت والتماسيح أن تسيح, وللغيلان أن تتغول علينا. فنتعايش معها ونخاطبهاعن طيب خاطر, بل ونضيفها كما زعمت العرب قديما, وكما قال فيها تأبط شرا
:
فأصبحْتُ والغول لي جارة*** فيا جارة أنت ما أهولا
وطَالَبْتُها بُضْعَها فالتَوَتْ*** بوجهٍ تَهوّل فاستغولا

أنار الله لنا دربنا ودربكم ووقانا من شرور المتربصين بنا